ليتها تكون «القاضية»

طالب سعدون
الانتخابات ليست عملية آلية فقط ، ولا هي (إسقاط فرض) إذا جاز التعبير ، فتحسب على أساس انها استحقاق زمني روتيني ، يتكرر كل أربع سنوات حسب القانون ، وتجرى بمن يحضر ليدلي بصوته من الناخبين ، حتى وإن كانت نسبة المشاركة متدنية كثيرا وانفضاض (العرس) بانتظار آخر دون تغيير يذكر..
الانتخابات حق قانوني وواجــــــب وطني ، قبل أن تكون صندوقا و ورقة ومحطة (توقف إجبارية) للمراجعة الوطنية ، وكشف الحساب مع الذات والأخر ، لكي لا يتكرر الخطأ مرة أخرى ، اذا ما وجد المواطن إن صوته في المرة الماضية قد ذهب لمن لا يستحقه .. لأن (الصوت) هنا ليس غنيمة ، بقدر ما هو أمانة ، وليس شيكا على بياض ، وإنما هو مسؤولية ويكون مقابل عائد مجز يظهر على الارض بعلامات شاخصة وأسماء واضحة ..
واختلاف البرامج من مرحلة الى أخرى ، يجعل الانتخابات غير متشابهة ، فلكل دورة انتخابية خصوصيتها تأخذها من ظرفها السياسي والتاريخي ، وتظهر بوضوح في برامجها والقضايا التي تتصدى لحلها والتحديات التي تواجهها ، كأن تكون حروبا أو أزمات أو اضطرابات أو مشاكل اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية وغيرها…
فهل تسير الانتخابات في العراق بهذه القاعدة ، أم أخـــــذت منحى أخر ..؟.
لقد تشابهت الانتخابات عندنا ، ليس في تكرار الوجوه والأيام دون تغيير ، فلم تجد فرقا بين الامس واليوم ، وإنما في استنساخ البرامج … فتجد الجميع يعد بالقضاء على المحاصصة والفساد مثلا ، الذي يتصدر قائمة المشاكل ، والتحديات في جميع الدورات ، وتحول الى ثقافة باعتراف السياسيين وليس المواطنين فقط ، لكن دون توضيح للخطوات المعدة على هذا الطريق لكي نتابع المرشح في سيره ، ونعرف الى أين وصل فيه في التطبيق ، وإنجازاته بالأرقام والوقائع ، بشكل يجعل الغد مختلفا عن الامس واليوم وتكون له علامته المميزة التي يبني عليها من يأتي بعده في الانتخابات المقبلة وهكذا ..
وعندها تصبح للانتخابات جدوى ، كان المواطن ينتظرها قبل هذه العملية وقد تحققت على يد من كان جديرا بثقته وانعكست على مرافق حياته المختلفة من خلال البرامج الانتخابية التي تحولت الى مفردات عمل في التطبيق ..
وفي كل الأحوال … الانتخابات سجال وحراك عام وتنافس قوي بين برامج وأفكار ورؤى وبدائل للتغيير ، وسباق محموم للظفر بصوت الناخب وهو الحكم وهو من يقرر صــــــــواب البرنامج وكفاءة المرشح ..
ولذلك فان الفشل في تحقيق تقدم يعقب عملية الانتخابات كما وعد المرشح يتحمله الناخب بالدرجة الاساس ، لأنه أعطى صوته لمن لا يستحقه ، في حين لم يخسر المرشح شيئا ، ولم يقدم غير وعود قد تتحقق أو هي مجرد شعارات لكسب الناخبين ..
وهذا الأمر يجعل العلاقة بين الناخب والنائب لا تنتهي عند صندوق الانتخابات ، بل تبقى مفتوحة ، وإن أغلقت الصناديق ، وذلك من خلال الرقابة الشعبــــــية بكل انواعها ، بما فيها التــــــظاهرات والاعتــصامات وتقارير منظمات المجتمع المدني والصحافة والإعلام …
صحيح أن المواطن لا ينتخب ملائكة بل بشراً مثله ، لكنه لم يطلب منهم أكثر من أن يكونوا نخبة تتمتع بنكران الذات ، وتقدم مصلحة الوطن على ما عداها من المصالح الضيقة …
وهذا ليس بالأمر العسير على من يتمتع بكفاءة الضمير قبل الكفاءة الفنية ، وتلك من متطلبات المسؤولية الوطنية الاساسية التي ينبغي ان يضعها الناخب في اعتباره وهو يقف أمام الصندوق..
فمن حق الناخب ان يسترد صوته من النائب عندما لا يقوم بواجباته بصورة يلمس نتائجها الايجابية عليه في جميع مناحي الحياة ويتخلص من القضايا التي يعاني منها …
– فهل ستكون الانتخابات المقبلة «القاضية» التي تضع حدا للفساد والفاسدين ، باختيار نواب جديرين بتمثيل الشعب والنهوض بواجباتهم الرقابية والتشريعية بجدارة ونكران ذات، وبرامج تتصدى لمعالجة القضايا والمشاكل والتحديات ، وفي مقدمتها المحاصصة والتخلص من وباء الفساد الذي ينخر بالبلاد ، بشكل يجعلها مخــــــتلفة عما سبقها ، وعندها سيكون للصوت ثمن ، وعائد ، وطني ، وللانتخابات دور واضح ، ليس في إثراء الحياة السياســــــية في البلاد فقط ، وإنما كذلك في تشخيص العناصر الكفوءة ، والمخلصة بحسابات وطـــــنية وليست فئوية ، لكي تتبوأ المواقـــــع المهمة لقيادة البلاد ، لأن لديها رؤية ناضجة وبرنامجا يلبي الحــــــــاجة للبناء والتقدم وخدمة المواطن.



