النسخة الرقميةثقافية

حزن البنادق

سرور العلي

مزقت صرختها هدوء القرية شبه النائمة، ونفضت عن سكانها البسطاء النعاس الكثيف، ثم ركعت على الأرض باكية، سمع كل من حولها البكاء والصراخ واحتشدت النسوة يعزينها ويشاركنها المصاب. وهبت واقفة كأنها تذكرت شيئاً، أخذت تجري صوب غرفة المعيشة، هناك الأشياء المتبقية الوحيدة من زوجها المقتول، بعض من ثيابه الرثة والبندقية التي كانت بحوزته والتي جاء بها صديقه ويحمل معها خبر مقتله في الضاحية. احتضنت تلك الأشياء البائسة الجاثمة على الأرض بلهفة، اختلطت أصوات العويل بأصوات قذائف الهاون التي تطلق من مكان قريب ربما خلف الجبل، وقفزت أمامها ذكرى قديمة، ذكرى مر عليها عشر سنوات عندما تحديا الجميع ليتم زواجهم، وقد أحبا بعضاً بجنون وعرف كل سكان قريتهما التي هجروها فيما بعد حكاية هذا الحب، ووقف والدها بوجه حبها و روجت الشائعات عنها مما دفع الأب لاحتجازها في البيت ومنع عنها الخروج. حتى جاء يوم أخبرها أن الهرب أنسب الحلول. لم يعد يحتمل سجنها، وأخذ يفكر في بصيص أمل ينقذهما ولكنه أدرك خطورة الأمر، وقال لنفسه: ربما سيقتلونها وسأحرم من رؤيتها إلى الأبد.
وفي الليلة التالية أخبرها أن الهرب ليس بالحل، علينا أن نجد حلولاً أخرى وصار السير في أركان القرية هو كل ما تطمح إليه، بعد مرور مدة عقيمة وافق الأب على زواجها منه ولفحت الفرحة قلوبهم، عادت تصرخ بقوة وجزع، ركضت طفلتها الباكية وأمسكت بكم ثوبها كأنها تترجاها أن تكف عن الصراخ، أنها خائفة وتشعر بالضياع اليوم أكثر من أي يوم مضى، اعتادت أن تنتظر مجيء والدها. تستقبل ارهاقه بابتسامة بريئة لم تجرب خوف الحرب يوماً، علت ملامح وجهها الشحوب ارتعشت الدماء في جسدها الهزيل.
وهرمت فجأة، هرمت جذورها الطفولية وتوقفت عن الإنتظار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى