حرقوه حياً !!

هذه الصورة الوحيدة التي التقطتها، لأنك لا تحب ان تترك ذكرى تؤلم أحداً ممّن أحبوك ، واضعاً رأسك بين يديك، هكذا جلستَ على بابٍ من أبواب الله تنظر لمحيا وجهك المضيء الملائكة … الله استجاب لدعائك وهو يراها تسبح وتتجلى بأجنحتها البيضاء حولك ، ومن باب ان المؤمن مُبتلى ، انفتحت عليك الابتلاءات من أوسع أبوابها ، كعاصفة قوية هكذا هبّتْ باتجاهك تلك الابتلاءات.هناك صورٌ عندما نراها تُشعرنا بالوجع، حينما رأيتُ صورتك وخزت قلبي سكاكين الأرض جميعها دفعة واحدة. «علي» ابن الجنوب الطيّب «الخام» كما يقولون، لم يعرفْ سوى نهر الغرّاف وبساتين النخيل وصديقاً تعرّف عليه بعد ان انتصف العمر . «علي» أحبك برغم انني لم أعرفك ، سوى انّي بالصدفة سمعت عنك حديثاً يشق القلب ، صديقُك من اخبرني قصتك، حدّثني عنك وعيناه مملوءتان بالدمع.
كان «علي» دائماً ما يقضي يومَه على شاطئ نهر «الغراف» يشارك بساتين النخيل أنينها ، ذاك الأنين الآتي من تلك البساتين يشعرُه بأنه ليس أول انسانٍ يفقد أبويه، ليس أول طفلٍ يكون يتيماً على الأرض ، ينظرُ الى الماءِ لعلّه يلمحُ ملامحَ أمه التي غادرت الحياة وهو في عمر الثلاثة أشهر ، يرمي بعض الحصى في تلك المياه لعلّها ترسمُ على سطحها وجه ابيه . أبوه الذي قُتل في الحرب قبل ولادته. قلبه نقي لأنه لم يخالط البشر إلا ما ندر، يجلس وحيداً كزهرة اجبرتها الظروفُ ان تكونَ وحيدة على هذه البقعة من الأرض.
«علي» دائماً ما كان يقول لصديق عمره، أبداً لا أذكرُ طعم حليب أمي ، منذ ان ولدتُ وهم يضعون في فمي «فوح التمن» لان أمي غادرتْ وأنا طفلٌ رضيع، كذبوا عليَّ وأوهموني انه حليب أمي ، في حلقي مرارة لا تذهب أبدا، حسرة في قلبي لأنني لا أتذكّر صورة «أمي» ، نارٌ تغلي بداخلي لأنني لم أسمعُ صوت أبي وهو ينادي «بُني علي».
ولأنه من الجنوب ويسكن في «قلعة سكر» كان كالقلاع لم يمسّه الحرام أبدا ، طعمه لذيذ لهذا اشتهته الأرض ، ولأنه جوهرة تمشي برجلين لا يقدّرها أحد على الأرضِ ، أبى الله إلا ان يأخذه اليه.
برغم ظروفه الصعبة ومرضه أصرَّ «علي» ان يلتحقَ في صفوف الحشد الشعبي عندما صدرت فتوى الجهاد الكفائي ، بعد ثلاثة أشهر من التحاقه بالحشد فُقد في احدى المعارك في محافظة الانبار ، وبعد مرور ثلاث سنوات على اختفائه وجدوا مقطع فيديو يُؤرّخ استشهاده ، بعدما وقع أسيراً في أيدي أعتى المجرمين على وجه الأرض .
ولان قدومه الى الأرض كان صعباً ، اختار المجرمون له نهاية صعبة أيضا، فهذا الشاب تعوّد على النهايات المؤلمة، هم لم يضعوا في رأسه رصاصة، ولم يحزّوا رأسه بسكين ، فقط قيّدوه الى عامود ورشّوا على جسده «البنزين» وأضرموا النار في جسده ، أحرقوه حياً.
كان «جبرائيل» في الطريق اليك، وكاد يقول يا نار كوني برداً وسلاما على «علي» لكن هناك من يسكنُ السماءَ أتعبه الاشتياق اليك ، فأتى صوتُ من هناك ينادي دعه يأتي الينا فجميعنا مشتاقون اليه.
مقطع الفيديو الذي أرخوا فيه قتلك ، تظهر فيه تتلوّى وتصارع النيران التي أكلت جسدك.
حبيبي «علي» لا بل سأناديك «ابو حسين» كأصدقاء نعرفُ بعضنا البعض منذ القدم ، اعرفُ انك ستلتقي بحبيبتك التي توفيت قبل ان تقول لها انك تحبها ، قلتَ لها سنتزوّج عندما يكون الحال أفضل .
أظن ان الحال أفضل الآن.
نحن الذين نتناول أشهى الطعام يومياً ونذهب للعمل ، نتذمّرُ لان هناك زحاماً اعاق تقدُمنا ، نضحك ونتكلّم عن الرجولة والشجاعة، نحن جُبناء قياساً بكم أنتم الشهداء المضحون من أجل الوطن ، الوطن الذي لم يمنحكم شبراً واحداً يواري أجسادكم الطاهرة .
من يهتمُ لكم ومن يهتمُ لقصصكم .. الجميعُ على ما أظن الآن مشغولون بالانتصار والانتخابات ، والجميع يقول «أنا من حققتُ النصرَ» !!.
لعلَّ دماءكم التي سالت سينتبه اليها الشعبُ ، ينتبه اليها أكثر من انتباهه وتصفيقه للفاسدين وللعاهرات التي ابتلي بهن الوطن.



