النسخة الرقمية

أهمية العبادة في حياة الإنسان

يولي الذكر الحكيم العبادة أهميةً بالغةً وهي من الموضوعات التي تطرق إليها كثيراً، وحثَّ عليها في أكثر من سورة وآية وخصَّها بالله سبحانه فقال: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعبُدُواْ إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ ، فنهى عن عبادة غيره من الأنداد المزعومة والطواغيت والشياطين. وتكمن أهمية العبادة في كونها طريق الوصول إلى الله سبحانه، فهي غاية خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض: ﴿ وَمَا خَلَقتُ ٱلجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ ﴾ .

فالعبادة في الإسلام منهج متكامل المراحل والفصول، وطريق واضح المعالم. وغرضه تحقيق الكمال البشري: ﴿ وَٱعبُد رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأتِيَكَ ٱليَقِينُ ﴾ ، وتنقية الوجود الإنساني من الشوائب والانحرافات، تمهيداً للفوز بقرب الله وتأسيساً لتحقيق رضوانه. فعبادات الإسلام جاءت جميعها تزكيةً للنفس والبدن، وتطهيراً للذات، وتنمية للروح والإرادة، وتصحيحاً لنشاط الجسد والغريزة. فهي بمثابة معراجٌ تتدرّج به النفس البشرية، مرحلةً بعد مرحلة، حتى يتمّ لها الصفاء والنقاء، فتستطيع الإطلال على عالم الآخرة، واستشفاف حقيقة الوجود، والتعالي على مكاسب الحياة الفانية، لسموّ مقام الآخرة وعلوّ غاياتها، وارتباطها بعالم الخلود والنعيم الأبدي. فقد جعل الإسلام الصلاة تنزيهاً للإنسان من الكبرياء والتعالي، وغرساً لفضيلة التواضع والحب للآخرين… ولقاءاً مع الله للاستغفار والاستقالة من الذنوب والآثام، وشحذاً لهمّة النفس وقيادتها في طريق التسامي والصعود. والصوم ترويضاً للجسد، وتقوية للإرادة من أجل رفض الخضوع للشهوات، والسقوط تحت وطأة الاندفاعات الحسية. والدعاء تنمية لقوة الإحساس الروحي، وتوثيقٌ للصلة الدائمة بالله والارتباط به والاعتماد عليه، ليحصل الاستغناء الذاتي بالله عمّن سواه، فيلجأ إليه المؤمن في محنه وشدائده… وعند إساءته ومعصيته… وهو واثق أنه يُقبِل على ربٍّ رؤوفٍ رحيم، يمدّه بالعون ويقبل منه التوبة، فتطمئن نفسه، وتزداد ثقته بقدرته على مواصلة حياة الصلاح، وتجاوز المحن والشدائد. وممّا يعزّز أهمية العبادة في الإسلام أنها ذات منهاج فطري له طبيعة اجتماعية حركية، لا يؤمن بالفصل بين الدنيا والآخرة، فهو لا يدعو الى محاربة المطالب الجسدية، من الطعام، والشراب، والزواج، والراحة، والاستمتاع بالطيبات بدعوى أنها تعارض التكامل الروحي والتقرّب من الله، بل وازن بمنهاجه موازنة تامّة بين الروح والجسد، ولم يفصل بينهما.

فالإسلام لا يرى في مطالب الجسد حائلاً يقف في طريق تكامل الروح، أو عائقاً يعرقل تنامي الأخلاق، بل يؤمن بأن هدف الجسد والروح من حيث التكوين الفطري هدف واحد، ومنهاج تنظيمها وتكاملها منهاج واحد. لذلك كان لكلّ فعلٍ عبادي أثرٌ إصلاحي على صحّة الجسم وعلى النفس والأخلاق والعلاقة بالله، فالطهارة، والصوم، والصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد.. كلها عبادات ذات مردود إصلاحي على الفرد جسداً و روحاً فضلاً عن أثرها التكاملي في نظام المجتمع. قال تعالى: ﴿ وَٱبتَغِ فِيمَا ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلأخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنيَا وَأَحسِن كَمَا أَحسَنَ ٱللَّهُ إِلَيكَ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلأَرضِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلمُفسِدِينَ ﴾ .وقال تعالى:﴿ قُل مَن حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي أَخرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزقِ قُل هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا خَالِصَة يَومَ ٱلقِيَٰمَةِ ﴾ .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى