النسخة الرقميةثقافية

الناقد الجزائري د. علاوة كوسة: الاختلاف من سُنَنِ الفطرة الإنسانية.. والغربيون يمارسون التجريب بوعي وفن أكثر من العرب

المراقب العراقي/ جـمال بوزيان

القسم الأخير
تواضعا فَعل اليومَ أحد فُرسان النّقد الأدبيّ أو ـ على الأَقلّ ـ تصنيفي له؛ حيث قال بلسان فصيح بليغ: «ولَمْ أتـجـرّأْ يوما على القول بصفتي ناقدا»! قدْ لا تَكفي قراءتكَ لطاغور جميع أعماله؛ وقراءتكَ لـجُبران شِعره ونثره؛ وقراءتكَ للرّافعيّ نثره وشِعره؛ وقراءتكَ للمنفلوطيّ كتاباته ومُترجـماته..

* هلِ الاختلاف بيْن أنصار الـحداثة ومعارضيها عِلميّ أَمْ فكريّ؟
ـ لا يُمْكن الفصل بين الفكري والعِلمي، كلا الشكلين أو المجالين هو غطاء تبريري له ما يفرضه، ومهْما كانتِ الـمقولات العِلمية متسمة بالموضوعية والحياد فإن المنطلقات الفكرية تظل الأدوات المضمرة التي تصنع هذا الصراع والاختلاف بمنسوب مختلف بين عقل وآخر!
* كيْف السّبيل لفكّ اشتباكات الـمَذاهب الأدبيّة والنّقديّة؟ لماذا لا يُراد حياة للاختلاف «قلِّدني أو لا تَكنْ»؟
ـ سيظل الاختلاف من سُنَنِ الفطرة الإنسانية طبعا، ولكنْ للاختلاف أوجه ومرامٍ واستراتيجيات وعواقب، الاختلاف الـخلّاق الـمُبدِع الـمُنتِج الذي يحترم فلسفة الآخر وآراءه ومذاهبه هو اختلاف محمود لا يتضاد ولا يتعارض مع الآخر، سواء في الكتابة أم النقد، اختلاف المناهج لا يعني اختلاف الرؤى، واختلاف الرؤى لا يعني ظلم النص والمنهج معا، عكس ذلك فالاختلاف أحيانا هو مَن يصنع ديمومة الإبداع وخلود النصوص، فيما التقليد والنمطية يقتل كلاهما، لذلك فدعاة الائتلاف هم دعاة الصوت الواحد الذي يموت مُفردا!
* مَن أنصار الـحداثة الـمُنصفون لِمُخالفيهم في الجزائر خاصّة والعالَم بصفة عامّة؟
ـ لا يُمْكن التحديد رأسا لأنصار على آخرين في اختلافهم وائتلافهم، لأن التصنيف في حد ذاته تحكمه مواقف فكرية وقناعات فنية كثيرة، يبقى الأهم أن نعي معنى الحداثة منطلقاتٍ وممارسات و رؤى، ولأن الحداثيين في الجزائر مثلًا هُم أسماء تُمارس حديث الحداثة وتتداوله، وليسوا ذوي مشروعات حداثية واضحة، وهي جهود فردية ما تزال تتشكل ولَم تتأسس وتنضج بعْدُ!
* يشكو كثير من كُتّاب القصّة والرِّواية والشِّعر انتفاء نُقّاد أدبيّين وإنْ وُجدوا يظهر نقد الـمُجاملات والـمُحاباة في العالَم العربيّ؟ وهلْ يَلتزمِ الكُتّاب بإرشادات النُّقّاد؟
ـ يُمْكن لشكوى الأدباء أن تكون مبرَّرة لأن التلقي النقدي للمُنتَج الأدبي الجزائري قليل جدا، إذا استثنينا بعض المجهودات القليلة التي يقوم بها نقّاد يتابعون عن قرب واقع الكتابة في الجزائر، وإذا استثنينا المتابعات الأكاديمية لهذا الـمُنتَج في الجامعات الجزائرية، للأسف كثير من نقّادنا لا علاقة لهم بهذا الـمُنتَج إلا ما شذّ عنِ القاعدة! ولأن كثيرا من أكاديميينا لا يقدمون الأدب الجزائري في الجامعات للدرس والنقد من خلال رسائل وأطروحات الباحثين، إنْ جهلًا أو عجزًا، أو تنكرًا وانبهارًا بآداب أخرى ظلتْ مُكرَّسة لعقود! كما لا يمكن أن نخفي حقيقة عدم اطلاع الكُتَّاب على الـمُنجَز النقدي عموما فنادرا ما يقرأ الكُتّاب للنّقّاد، كما أن كثيرا من الـمُنجَزات النقدية الأكاديمية لا تكاد تطبع للاطلاع عليها، وتبقى حبيسة رفوف المكتبات! يبقى ما ينجز من نقد حول الأدب الجزائري فيه أيضا الشيء غير اليسير من الإشهار والمجاملات، وهذا ينافي العِلمية ولا يصنع كاتبا جديدا بقدر ما يملِيه غرورا وينفخ فيه من روح الوهم، كما لا ننسى أن لبعض الأجناس الأدبية الـحظ الأوفر مقارنة بالأجناس الأدبية الأخرى، حظ الرواية أوفر من حظ الشِّعر، وحظهما معا أوفر بكثير من حظ القصة القصيرة التي لا تكاد تقاربها أقلام النقاد إلا نادرا، وتكاد تكون الأطروحات والكتب التي تناولتِ القصة القصيرة الجزائرية تُـعَـدُّ على الأصابع!
* ما رأيكَ في القصّة الومضة؛ وشِعر اللّمحة «الـهايكو»؟
ـ إذا كان الإشكال المفاهيمي والتجنيسي ما يزال قائما حول أجناس أدبية عريقة كالرواية والشِّعر، فما بالك بأجناس أدبية حديثة الظهور أو حديثة الممارسة كالقصة الومضة التي لها عديد التسميات كالقصة القصيرة جدا، والأمر نفسه مع «الـهايكو»، رغم أن المتابع لشأن هذين الجنسين في الجزائر يجد أن الخائضين في القصة الومضة أكثر عددا من كُتّاب «الـهايكو»، وإن لهذين الجنسين الأدبيين جذورا غربية بامتياز كملمحين من ملامح التجريب الفني الذي ظل يمس لقرون أجناسا أدبية أخرى، ولكن ظل الغربيون يمارسون التجريب بوعي وفن أكثر من التجريبيين(التخريبيين) العرب، لأن المبدع العربي يقلد في الكتابة وفق أجناس جديدة دون وعي بأصولها وأدبياتها وبنياتها.
* حين نُمعن في التّصنيفات الآتية: الأدب الإسلاميّ؛ والأدب الثّوريّ؛ والأدب النّسويّ؛ وأدب الطّفل؛ وأدب التّصوّف؛ وغيرها.. هلْ هو تنوّع وثراء؟
ـ الحقيقة الثابتة في كل هذه التصنيفات أنها تسهيلات تعليمية في المؤسسات التعليمية العالمية كالجامعات مثلا، تسهيلا للدراسات وتأطيرا للمُنتَج للتناول الدقيق له، هذا لا يعني أن هذه التصنيفات غير مؤسسة ومبنية على مجموعة خصائص مشتركة بين هذه الأصناف، بعضها تصنيف تحقيبي زمني، وبعضها تصنيف فكري جنوسي، وهذه الفئوية في التجارب وتدارسها تكون إيجابية ما قرأناها في إطارها، وتعكس فعلا التنوع والاختلاف من حيث الخصائص والبنيات والأزمنة.
* ما رأيكَ عموما في معايير الـدَّوريات الـمُحكِّمة؟
ـ الدوريات الـمُحكِّمة صارت كثيرة ومتعددة ومتخصصة، وفتحت مجالا واسعا للباحثين وللمتخصصين كي يقولوا رؤاهم، على محاسن ومساوئ هذه الكثرة، ستنتعش الأبحاث العِلمية المنشورة ما دامتِ الدوريات تُخضِع الـمادة العِلمية للتحكيم الصارم الدقيق كي لا نقدم مادة للآخر دون مستوى ما ينتظر، ولكن ككل المجالات هناك هنّات كثيرة تتمثل في التمرير السلس غير الـمُنضبِط ولا الـمُحكم لكثير من المادة العِلمية بمبررات عِلمية كثيرة وغير عِلمية أيضا، العِلم إذا تسللت آلية الذاتية غير المؤسسة صار شُبهة بالفعل، ولا يعكس صورة البحث العِلمي الجاد الذي يبني مستقبل الأمم.
* والـجوائز الأدبيّة في العالَم العربيّ؟
ـ في الجوائز العربية ما يقال أيضا، لا يجب أن نشك فيها جميعا ونقلل من قيمة الكثير من الجوائز الهامة التي اكتشفت طاقات عِلمية وأدبية وفنية كبيرة، برغم بعض الجوائز المشبوهة التي تحتكم إلى سياقات وتفاصيل هامشية ولها توجهاتها وأفكارها، تلك لا تستحق أن تسمى جوائزَ أصلا.
* بِوصفةٍ منكَ؛ متى تَنشُط الـحركة الأدبيّة والنّقديّة في العالَم العربيّ؟
ـ الحركة الثقافية نَشِطة في بعض الدول العربية وخامدة في أُخرى، وعِماد الحركة الثقافية الاهتمام بالمثقف والإنتاج الثقافي، واحترام كل مجهود ثقافي إبداعي لأن الأُمَّة بإبداعها ومثقفيها، الوصفة هي الإيمان بالثقافة والاهتمام بالمثقفين فيما بينهم وتأطير مجهوداتهم وتشجيع الجهات الرسمية لهذا النشاط الثقافي.
* هلْ تَرى وفرة في كُـتُب النّقد الأدبيّ؟ وهلْ لديكَ مُؤلَّفات في ذلك؟
ـ صارتِ الساحة الأدبية تتوفر على كُـتُب نقدية وطنية وعربية وغربية كثيرة جدا، خاصة في السنوات الأخيرة، وتختلف تخصصاتها ومستوياتها طبعا، خاصة في مناسبات الـمَعارِض السنوية صار الكِتاب النقدي يصل القراء والباحثين والمتخصصين، أما عنّي، صدر لي كِتاب واحد عنوانه «أوراق نقدية في الأدب الجزائري» وآخر في طريقه إلى النشر عن القصة القصيرة في الجزائر،كما لي كِتاب قيْد التنقيح يخص الرّواية العربية.
* هلْ يُمْكن معرفة أبحاثكم؟
ـ لديّ أبحاث كثيرة، منها أطروحة أنجزتُها ونلتُ بها درجة «الدكتوراه» حول أدبية القصة القصيرة الجزائرية المعاصرة بين عامي 2000 م و2012 م، وتكاد تكون أول أطروحة تتناول الـمُنتَج القصصي الجزائري في الألفية الثالثة، كما أن لي أبحاثا في القصة القصيرة جدا، وأنهيتُ أخيرًا أول موسوعة جزائرية للقصة القصيرة جدا، وموسوعة للقصة القصيرة جدا في العالَم العربي، أما عن آخر بحث أقوم بإنجازه فيتعلق بالتاريخي في الرواية العربية المعاصرة.
* بصفتكَ أستاذًا جامعيًّا؛ ما اقتراحاتكَ بشأن تكوين جيل يَعتمد النّقد الرّصين؛ وإنِ اختلفتْ مَذاهبه؟
ـ الجيل الجديد يحتاج تحبيب القراءة إليه أولا، والبحث ومواجهة النصوص، قبل أن ننتظر منه إنتاجا نقديا، وهذا ما أعمل من أجله شخصيا حين أغلب الجوانب التطبيقية دائما في المقاييس التي أُدرِّسُها بالجامعة.
* ما آخر كِتاب قرأتَه في النّقد الأدبيّ؟
ـ أُطالِع مجموعة كُـتُب في الوقت ذاته، منها «تشريح النص للغذامي»، و»بداية البلاغة» لإبراهيم الديباجي، وغيرهما كثير.
* إنْ تكُ وزيرا للثّقافة؛ فما ملامح برنامجكَ الاستعجاليّ؟
ـ الـمُثقَّف الفاعل مَن يُفكِّر في كيفيات الـمُشارَكة في إنعاش وتحريك الفعل الثقافي مهْما اختلفتْ مناصبه وصلاحياته ومسؤولياته، ثُمّ أنه يمكنني فعل ذلك أستاذا ومواطنا وناشطا ثقافيا، ولَم أُفكِّر في الوزارة طبعًا، بلْ فكَّرتُ فيما يمكنني أن أقترحه على وزارة الثقافة من مشروعات ثقافية تهتم بالفعل الثقافي والـمُنتَج الثقافي المحلي، وكيفيات الاستفادة منَ التجارب الثقافية العربية والعالمية، والاهتمام بالكِتاب والكُتَّاب خصوصًا.
* سعيدٌ بكَ اليومَ؛ كرمًا لا أمرًا اختمِ الـحوار.
ـ سعيدٌ بكُم صِدقًا لا مُجامَلةً… افتتحنا حديثنا، وفتحنا قلوبنا لبعض، سعيدٌ بِمثل هذه الـمُقارَبات الأدبيّة والنّوافذ الـحِواريّة الرّاقية الّتي تُؤسِّسون بها لـحِوارات مُنتِجة فاعلة لا حِوارات شكليّة، متمنّيًا لكُمُ الـرُّقيَّ والتّألُّـقَ، هناك قرّاء مُثقَّفون جدًّا يَنتظرون مِن مجلّاتنا صحافيّين مُثقِّفين لنصنعَ الثّقافةَ معًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى