الإمتناع عن الإنجاب بسبب طلب العلم
إنطلاقاً من أهمّية العلم وفضله في الرؤية الإسلامية قدّمه بعض الفقهاء على الزواج عند التعارض والتزاحم فيما بينهما. يقول الشهيد الثاني عند البحث عن الآداب المختصّة بالمتعلّم: «آدابه في نفسه، وهي أمور:… الرابع: أن يترك التزويج حتّى يقضي وَطَرَه – أي حاجته – من العلم، فإنّه أكبر شاغل وأعظم مانع، بل هو المانع جملة… وهذا أمر وجدانيّ مجرّب واضح، لا يحتاج إلى الشواهد، كيف مع ما يترتّب عليه على تقدير السلامة فيه من تشويش الفكر بهمّ الأولاد والأسباب… ولا يغترّ الطالب بما ورد في النكاح من الترغيب، فإنّ ذلك لا يُعارضه واجب أولى منه، ولا شيء أولى ولا أفضل ولا واجب أضيق من العلم…» وكذلك ذكر الشيخ الجواهري هذا المعنى في ذات السياق . وبناءاً عليه، يُمكن تطبيق كلام الفقهاء على المورد الذي نحن فيه وهو إنجاب الأطفال، فيكون تحصيل العلم أولى وأفضل وأوجب من الإنجاب للأطفال، وينبغي تقديم العلم على كلّ فضيلة، وإيثاره على كلّ طاعة، حتّى إنجاب الأطفال. لكن في حقيقة الأمر، يقع النقاش حول مسألة المقارنة بين العلم وإنجاب الأطفال من عدّة جهات:
أولاً: إنّ الرؤية الإسلامية لا تقوم على النظر إلى الأعمال والمقارنة بينها من حيث الحسن الفعليّ فقط ، بل إنّ عدّ أيّ عمل قيمياً يتبع الحسن الفاعليّ أيضاً، بمعنى أنّ لنية العامل وقصده دوراً مهمّاً في إعطاء العمل قيمة محدّدة، فالعلم يتّصف بالحسن بمقدار ما ينوي به الإنسان التقرّب إلى الله تعالى، وكذا الإنجاب، وعليه فإنّ أفضلية العلم على إنجاب الأطفال لا ينظر إليها من حيث الحسن الفعليّ فقط، فقد يكون طلب العلم أفضل ذاتاً من طلب الولد، ولكن بالنيّة والقصد القربيّ يُصبح الثاني أفضل وأسمى وأكمل من الأول. ثانياً: أنّه أيّ علم هو الذي يُعدّ أفضل من إنجاب الأطفال؟ هل مطلق العلم الذي يشمل مثلاً تحصيل العلوم السياسية أو الاقتصاد أو الهندسة أو الطب أو المعلوماتية…؟ إنّ الذي يظهر من النصوص القرآنية والروائية أنّه ليس مطلق طلب العلم هو الذي يحظى بتلك الميزة، وإنّما هو خصوص نوع معيّن يُطلق عليه اسم العلم الدينيّ، وهو الذي أشار إليه الإمام الصادق عليه السلام في قوله: «وجدت علم الناس كلّه في أربع: أولها: أن تعرف ربّك، والثاني: أن تعرف ما صنع بك، والثالث: أن تعرف ما أراد منك، والرابع: أن تعرف ما يُخرجك من دينك» . وثالثاً: هذا كلّه على فرض التعارض، ولكن قد يُناقش في أصل كون إنجاب الأطفال يُشكّل عقبة في طريق طلب العلم، وبالتّالي يتمّ تقديم التحصيل العلميّ على الإنجاب لأنّه أولى وأهمّ، إذ يُمكن عملياً الجمع بين طلب العلم وبين بناء الأسرة وإنجاب الأطفال، وخير شاهد على ذلك هو التجربة العملية، فإنّ استقراء سيرة حياة أكثر كبار علمائنا يُفيد أنّهم قد تزوّجوا في سنٍّ مبكرة، ولم يحجبهم الزواج والإنجاب وتربية الأطفال عن طلب العلم والسعي فيه وبذل الجهد وشقّ طريقهم نحو تحصيل العلوم والبحث والتدريس والكتابة والتأليف بل والقيام بمسؤوليّات التبليغ والإمامة والدعوة… . وهنا نعود للتذكير بقاعدة أنّ الجمع بين الخيارات التي تبدو متعارضة مهما أمكن هو أولى وأفضل من الطرح وتقديم بعض الخيارات بنحو يسدّ الباب أمام خيار آخر. وعليه فالجمع بين الاشتغال بالعلم والإنجاب أولى وأفضل، كيف والأطفال هم الأنيس الموافق، ومن دونهم يبقى الإنسان ناقص العيش، زائل العقل، مشغول القلب. فعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: «خمس خصال من فقد واحدة منهنّ لم يزل ناقص العيش، زائل العقل، مشغول القلب:… والرابعة: الأنيس المُوافق. سُئِل عليه السلام: وما الأنيس الموافق؟ قال: الزوجة الصالحة والولد الصالح…» .
ما تقدّم الحديث عنه هو في فرض صورة التعارض بين العلم المستحبّ وبين الإنجاب. أمّا في صورة التعارض بين العلم الواجب وبين الإنجاب فلا بدّ من معالجة المسألة من خلال عرض صورتين:
الصورة الأولى: أن يكون طلب العلم واجباً على نحو عينيّ، فهنا ممّا لا شكّ فيه يُقدّم طلب العلم على الإنجاب. هذا في صورة وجود تعارض فعليّ مستحكم.
الصورة الثانية: أن يكون طلب العلم واجباً على نحو كفائيّ، وذلك لأنّ العلوم التي تُساهم في حفظ النظام العامّ وبه يكون قوام حياة المجتمع الإسلاميّ هي واجبة كفاية على عموم المسلمين، فهنا قد يُقال إنّ طلب العلم على هذا النحو مقدّم على الإنجاب لكونه مستحبّاً، إلا أنّه في الواقع معالجة المسألة على هذا النحو ليس دقيقاً وشاملاً، لأنّ الحديث عن استحباب الإنجاب هو حديث عنه بالمعنى الفرديّ الخاصّ، أمّا الإنجاب بالمعنى النوعيّ، فقد صرّح بعض الفقهاء بخصوصه أن «توقيف نسل الأمّة إلى حدٍّ معيّن، المؤدّي إلى الانقراض بعد حين حرام شرعاً» ، وحينها يقع التزاحم نوعاً بين ما هو واجب كفائيّ وبين ما هو حرام شرعاً، وتخضع حينها لقواعد معالجة التزاحم في مثل هذه الصورة.



