سرقونا أمس ويسرقوننا الآن؛ لكن لن يسرقونا غدا..!
لا يمكن توقع أن يقف مخلص في الصف الفاسد، و يمكن لنا أن نراه في جمهرة الصلحاء والنزيهين..تلك هي الفطرة التي فُطرنا عليها..نعم؛ ولأسباب موضوعية وليس شكلية، يمكن أن يسكت المخلص زمنا ما، لكنه لن يسكت ردحا، فمن طبائع المخلصين أنهم يراجعون أفعالهم ومواقفهم وأقوالهم دوما، ولا بد أن تفضي تلك المراجعة الى مواقف حازمة ضد الفساد..
في الجمعة الفائتة؛ قالت المرجعية الدينية في خطبة النصر، من الصحن الحسيني الشريف؛ وهي تبيّن أولويات المرحلة المقبلة، بعد الإنتصار الكبير على الدواعش الأشرار؛»إن التحرك بشكل جدي وفعال، لمواجهة الفساد والمفسدين؛ يعدّ من اولويات المرحلة المقبلة، فلا بد من مكافحة الفساد المالي والاداري بكل حزم وقوة؛ من خلال تفعيل الاطر القانونية، وبخطط عملية و واقعية، بعيداً عن الاجراءات الشكلية والاستعراضية..إن المعركة ضد الفسادـ التي تأخرت طويلاً ـ لا تقلّ ضراوة عن معركة الارهاب، إن لم تكن أشد وأقسى، والعراقيون الشرفاء الذين استبسلوا في معركة الارهاب، قادرون ـ بعون الله ـ على خوض غمار معركة الفساد؛ والانتصار فيها أيضاً، إن أحسنوا ادارتها بشكل مهني وحازم».
في معركة الشعب ضد الفساد، يتعين أن نعرف من أين نبدأ، كما عرفنا من أين نبدأ، ونحن نشرع بقتال داعش، عقيب سيطرته في 10/6/ 2014، على أكثر من ثلث التراب الوطني العراقي العزيز.
ربما نكون مخطئين في فهمنا للديمقراطية، بناءا على المقايسة مع ما هو منتج ديمقراطيا عندنا الآن!..وربما هناك تعريف مخالف للمنطق لنظام الحكم الديمقراطي، لكن صناع الرأي يفهمون الديمقراطية؛ على أنها تكريس سيادة الشعب، عن طريق وسائل الانتخاب والاقتراع، وذلك للتعبير عن إرادة الشعب، واحترام مبدأ الفصل بين السلطات؛ التشريعية والقضائية والتنفيذية.
تلك القطاعات تفهم أيضا؛ أنه إذا كان النظام ديمقراطيا، فإن هذه السلطات تخضع للقانون، من أجل ضمان الحريات الفردية، وأن يتم الحد من الامتيازات الخاصة، للسلطات المكلفة بإدارة الدولة، لكي تكون هذه المؤسسات؛ معبرة عن إرادة الشعب بأكمله.
هذا هو فهم للديمقراطية بأبسط صورها..لكن ما يسمى بالنظام الديمقراطي عندنا، ناقض ونقض هذا الفهم وهدم أسسه، لأن السلطات الثلاث المكلفة بإدارة الدولة مجتمعة، وفقا للعقد بينها وبين الشعب، الذي تم بوساطة الانتخابات، استحوذت بشكل علني فج على الامتيازات، كما استحوذت على المال العام، بطريقة مشرعة من قبلهم، أي بسنهم قوانين تدعم سيطرتهم؛ على الامتيازات والمال العام.
هذا التصرف لا يخالف جوهر الديمقراطية فحسب، لكنه يشكل لصوصية معلنة، مدعمة بقوانين سنوها بأنفسهم لأنفسهم، تفتح الأبواب على مصاريعها، لاحتجاجات وارتجاجات في وضعنا الهش أساسا.
هذا لا يمثل رأيا شخصيا لفرد أو مجموعة صغيرة، بل هو حصيلة آراء الملايين، الذين ينظرون بألم بالغ، إلى ما بات في يد الساسة من أموال عامة وامتيازات.
إن حساسية ما فعلته الطبقة السياسية، بمنحها نفسها امتيازات تفوق استحقاقها، وثلمها من جرف حقوق الشعب لحساب جرفها، يعني قصر نظر عواقبه وخيمة، وأول من سيتأثر بهذه العواقب هم الطبقة السياسية ذاتها، وسيرون ذلك في قابل الأيام.
كلام قبل السلام: من هذه النقطة بالذات تبدأ معركتنا مع الفساد..
سلام..
قاسم العجرش



