هجرة عائد من الفردوس

فضيلة معيرش/ الجزائر
تفانتْ في هدر أوجاعه بلامبالاتها، كانت على يقين أنّه سيسلك مسالك الخضوع والولاء عاجلا أم آجلا، ما كان يصدقُ حدسه وهو يشارف على نهايةِ العقدِ الثاني أنّها ستعيره القبولَ والموافقةَ، وتفضله على بقية شباب الحي.
ما أغدق عليها من ملابس فاخرة من محل والده كفيل بإرضاءِ غرورها وغرور والدتها. باتَ ليلته وقد بشرته بأنّه سيحلقُ معها بين الأزرقين كطائر للحرية، يرفلُ بجناحينِ نورانيينِ، صرخَ حينها في وجه أصدقائه المقربين مزهوا: متعةُ الارتباط بمهاجرة لا تعلوها متعة. لم تكنْ أجمل من زميلته راضية التي تقاسمتْ معه عناء نقل المحاضراتِ وتزويده بها، قالَ لها ذات مواساة، وهو يشفقُ لانتظارها و رفضها للخطاب: إن خاب مسعاي مع المهاجرة سعاد لن أجدَ أفضل منكِ! كمن قصَ أغصان شجرته الوارفة المثمرة بحقلهِ وراحَ يعاتب الربيع والمطر على أنّها لم تعطي الغلةَ كبقية الأشجارِ في أوانها. غدتْ أوجاعه تمتد بتعاقبِ السنين، إنجابها لبنتين توأم وطفل منفرد لم يغير من طباعها، مثل الذّين يتقاسمون بهجةَ المحبة مع أطفالهم، تفانى في رعايتهم بينما سعاد تفانتْ في رعايتها لنفسها أكثر. برغم محاولاته مِلء فراغ وعاء فكرها وقلبها بالحنان والتراجع على ما هي عليه إلا أنّ وعاء بياض لهوها فاضتْ كفة ميزانه. تراوغُ شفتيه المكتنزتين بالصبر والضجر ابتسامة طالما جاهد في إخفائها وهو يحكي لامّه أثناء عطلته المقتضبة لديار الوطنِ. عقبتْ أمّه دون النظر في وجه حزنه وهي ترسلُ نظرة شفقة لأطفاله وهم بين يديه: لا تجعل شهامتك تضمحلُ من أجلها يا ولدي، لها عالمها ولك عالمك، كلّ المساحيقِ تذوبُ تباعا بمرور الوقتِ.
تنهدَ بحشرجة عميقة وقال: قولي لهم دينهم ولنا ديننا، وهي تشبهت بهم. ذات صباح وهو يتأملُ وثائق الهجرة التي اكتملت كادتْ أن تزغرد كلّ جوانحه، قررَ أن لا يترك المتاعب التي سببتها له طوال عشر سنوات تتراكم، وقد تناءت المسافة بينهما أكثر مما يجب، احتسى صمته، وهي توصد الباب منتصف اللّيل لتلتحق برفاقها في إحدى البارات المحاذية، قبضت يده على وجع تذمره وذكريات كان قد هجرها طوعا. شفتاه تتمتمان: لو رضيت بقربك راضية لارتضاني وطني كيفما كنت. في صباح اليوم الموالي كانت ابتسامته تعانقُ صفاء سماء العودة، وقد تشابكت أمانيه بأماني أطفالهِ، وبقتْ سعاد تقتفي نياته الطيبة وتضع تاج لهوها على مملكةِ المتعةِ.



