القواعد الدولية التي تحكم تسوية قضايانا سقطت بالسقوط العربي
فؤاد البطاينة
الدول العربية كلها ساقطة عسكريا وسياسيا أمام اسرائيل ، وجبهاتها الداخلية مفككة . ولا ترابط بين مكوناتها . فالسلطة والشعب والوطن فيها في حل من بعضهم . ولو كانت لدى اسرائيل الامكانية لهضمها لاحتلتها كلها ، انها دول فاشلة وليس فيها أي نظام يمتك شيئا من مقومات التحالف الحقيقي مع دولة قوية ، بل كلها تمتلك مقومات واستعدادات العمالة . وتعريفها السياسي الواقعي الحالي هو دول واقعة تحت النفوذ الصهيوني وتمر بمرحلة اعادة هيكلة صهيونية فهل اكترثت وتكترث انظمتنا لشعوبها الساقطة حتى تكترث امريكا لها كأنظمة ساقطة .
من الطبيعي والعادي جدا أن تنقلب أمريكا وغيرها من الدول على مواقفها السياسية التقليدية إزاء قضايانا ومنها القدس والمستندة للشرعية الدولية ، فالقواعد القانونية والسياسية التي كانت تلتزم بها الدول كقواعد تحكم مكونات القضية الفلسطينية أصبحت اليوم ساقطة عمليا بحكم سقوط الدول العربية ومعها السلطة الفلسطينية ، سقوطا أخذ شكل التعاون المعلن مع اسرائيل والتحالف معها والذي يعني للعالم بأنه تخل عربي عما يدعيه من حقوق ، واعتراف بحق اسرائيل في فلسطين ، وبأن المسألة لم تعد بأكثر من جدلية حول توطين اللاجئين والتخلص من غزة .
باستطاعة امريكا وغيرها ان تنقل سفاراتها للقدس دون حاجتها للذهاب الى مجلس الأمن وطرح قرارات القدس للإلغاء ، وهي القرارات القاضية بعدم الاعتراف بضم المدينة واعتبار كل الاجراءات الاسرائيلية التي تغير من وضعها القانوني والجغرافي والديمغرافي هي باطلة ولا أثر قانوني لها . كما لم يعد حاجة لأمريكا واسرائيل للاكتراث بنصوص المعاهدات العربية الاسرائيلية الثلاث . فسقوط النظام العربي في عرفهم يكفي لأنه جاء بعد تغييب الارادة الشعبية العربية ، لكن هل يفهم الحكام العرب بأن نقل السفارة للقدس قبل البت بحل مسألتها ، يفترض منهم إنهاء لعبتهم في الحديث عن المفاوضات وعن حل الدولتين وعن الادعاء بأن امريكا وسيط أو صديق ، وأنه عمل ينهي أساسيات معاهداتهم مع اسرائيل وبالذات أوسلو وتبعاتها ومستحقاتها ويهزئ مبرر وجود سلطة رام الله .
اسرائيل تعمل على تأمين وحسم اولوياتها بصفقة التصفية ، وهي القدس كمدينة ، وغزة كسكان ومقاومة . ومن هنا فإن اعلان النية بنقل السفارة للقدس مبكرا سواء تم أو لم يتم ، فهو في سياق الابتزاز لحلحلة المسائل العالقة في الصفقة وتأمين السيادة الاسرائيلية على المدينة كلها .
فالقدس عثرة في مسألة الصفقة . والسؤال المركزي هنا هو هل أن القدس في مشروع الصفقة هي موحدة تحت السيادة الاسرائيلية وبعاصمة واحدة لإسرائيل ، وأن السلطة ترفض ذلك وتصر على سيادتها على القدس الشرقية كعاصمة لفلسطين ؟ . إذا كان الأمر كذلك فسيتم نقل السفارة للقدس مبكرا كحل أمريكي اسرائيلي ، أما إن كانت الصفقة تتضمن تقسيما جائرا وشكليا للمدينة من حيث السيادة والاقصى ومنح ضاحية في اطراف القدس للسلطة مثلا فسيكون الاعلان عن نقل السفارة ابتزازا لقبول المعروض في الصفقة بالنسبة للقدس وغيرها .
اما للجولان فعندما احتلت اسرائيل الاراضي الفلسطينية والعربية اثر حرب حزيران سارعت لضم القدس والجولان وكان هذا مؤشرا مبكرا على مراكز اهتمامها وأولوياتها. في أية مفاوضات قادمة ، ورسالة موجهة للعالم وليس للعرب. ومن يقرأ أدبيات الحزبين الاسرائيليين وكتب نتنياهو فإنه يقرأ رسالة لكل العالم بأن الجولان مقتل عسكري ومائي لإسرائيل وبأنها لا يمكن أن تفاوض عليه او تتخلى عنه . وكان مقتل رابين حسب ما روته بعض التقارير نتيجة مؤامرة صهيونية على خلفية نيته التخلي عن الجولان في سياق عقد معاهدة مع سوريا .
أمام هذا الاهتمام المتميز والمبكر لاسرائيل بافتراس الجولان ، ماذا نتوقع أن يكون مصيره في زمن السقوط العربي وغياب اللحمة السورية ووقوع هذا البلد في قلب المؤامرة الدولية الصهيونية . وماذا يكون مصيره فيما يجري من مفاوضات تقودها روسيا بتأييد ومتابعة أمريكية وصهيونية على وقع إيغالها في تقسيم سوريا لمناطق لا منطق فيها ولها ، الا منطق التبييت لاستهداف وحدة اراضي سوريا . فإسرائيل تعلم ما تريده من أمريكا ، وما تريده من روسيا ، إنها تترك فلسطين والقدس لامريكا بصمت روسي وتترك الجولان لروسيا بتأييد وضغط امريكي .
مفاوضات جينيف الراهنة ، ليست لصالح سوريا والعرب ، بل لتقنين استحقاقات تدويل ازمتها ولصالح رعاتها، وارى أن الجولان ستكون حصة اسرائيل . لست مع أي نظام عربي على الاطلاق . ولكني أتساءل ما قيمة من يسمون بالمعارضة على طاولة المفاوضات وما هي الأوراق التي يمتلكونها ، وما الغاية من لملمتهم وجلبهم على الطاولة ، فلا ارض لهم ولا سلاح ولا مال ولا روابط بينهم . وأصبح وجودهم شكليا وغاب الطلب للاستخدام . لا شك بأن اسرائيل لها مصلحة أساسية في وجودهم على الطاولة . فما هي هذه المصلحة غير اتمام صفقة التقسيم على وقع ما سيسمى اختلاف واستحالة تعايش الاطراف السورية ، وصولا لابتلاع الجولان ؟ القيادة السورية تعلم كل هذا عن المعارضة السورية وتعلم بأن الدول الراعية فرضتها على الطاولة ، وتعلم بأن روسيا ستسخدم كل المكونات السورية لمصالحها بعيدا عن الطموحات السورية ، ولكنها أي القيادة السورية لا تملك القدرة السياسية على رفض شراكة المعارضة ولا لرفض التدخل الدولي وقرارات الامم المتحدة ، فتكتفي برفض التفاوض معهم وتستخدم اولويات للتهرب من مواجهة جماعة لا تقتنع بها ولا بجدوى وأهداف المفاوضات ، فالنظام السوري لا يريد جنيف ومرجعيتها من قرارات لسقوط أسبابها على الأرض السورية .
إن طوي ملف الجولان هو غاية اسرائيل التي ستترتب على هامش استحقاقات مفاوضات جنيف بصورة غير مباشرة . فالحصول على اعتراف دولي بضم اسرائيل للجولان صعب ، والوسيلة السهلة هي تكريس الضم الاسرائيلي القائم حاليا كأمر واقع مع مرور الزمن من خلال الخطة القائمة بتقطيع أوصال سوريا بمسمى الفدرالية او غيره ، وإضاعة دم الجولان بين القبائل العربية والأخرى التي ستحكم أجزاء سوريا . ولدينا في هذا سوابق بضم اراض عربية في وقت كان العرب فيه أفضل حالا من اليوم.



