استفهام عن ابهام لما يجري في كركوك
رائد عمر العيدروسي
حتى ما تنقله وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي عن الأوضاع السياسية والأمنية في كركوك , فلا يعطي المتلقي صورةً دقيقة وواضحة , ويعزز ذلك ما يكاد يغدو تحفّظا رسميا لعكس الصورة الكاملة في الإعلام , حيث تداخلت وتضاربت انباء عن اصرار كردي لإعادة ادخال البيشمركة الى كركوك , وحدوث انتهاكات أمنيّة طفيفة على بعض المقرات العسكرية , وتضاف لها خلافات سياسية بين المكونات القومية للمحافظة حول تبوء منصب المحافظ ورئيس مجلس المحافظة , لكنّ كلّ ذلك لا يشكّل هاجساً يدعو للقلق أمام سيطرة مطلقة لصنوف القوات العراقية في كركوك والمناطق المحيطة بها . لكنّ النظر من الجانب الآخر قد يتطلب المتابعة بدءاً من زيارة رئيس الجمهورية فؤاد معصوم الى السليمانية ولقائه ببعض قادة الأحزاب هناك لمحاولة ايجاد تسوية لمشكلة الإقليم مع بغداد , وهذا شأنٌ طبيعي من مهام الرئيس الكردي , وقد يتبع ذلك انتقال الرئيس معصوم الى اربيل للقاء رئيس حكومتها السيد نيجرفان البارزاني برغم أنّ ذلك يخالف قواعد البروتوكول , إذ من المفترض أن يذهب السيد نيجرفان الى السليمانية لمقابلة رئيس الدولة , لكنّ ما تفاجأ به الرأي العام في العراق هو اجتماع الرئيس معصوم بالسيد مسعود البارزاني وهو ما يعد استفزازاً نفسياً للشعب العراقي بقدرٍ أو بآخر باعتبار أن رئيس الإقليم المستقيل هو الذي تسبب من احداث مازالت معلّقة في الإقليم , كما أنّ اللقاء بالبارزاني يوحي ويدلّ كأنه لم يستقيل ! وما برح يدير الأزمة أو المعركة السياسية مع حكومة المركز .! هذه التحركات في شمال العراق أو في كردستان والتي لا يعرف فحواها إلاّ الراسخون من القادة الأكراد لكنها افرزت وبشكلٍ مفاجئ عن دخول قواتٍ امريكية الى كركوك , فماذا تنوي الإدارة الأمريكية من تدخّلها السافر في الشأن الداخلي العراقي .! أما ما يجري بثّه من اخبار حول مهمة الوحدات الأمريكية المحدودة في المحافظة هو لأجل المشاركة في حفظ الأمن مع القوات العراقية والبيشمركة فهو أمرٌ مثير للسخرية , ولا يصعب على الجيش العراقي الذي حرّر الموصل والمدن الأخرى في حفظ الوضع الأمني في المحافظة حتى لو اضطرّ الى ادخال قطعات جديدة , برغم أنّ الأوضاع الأمنية هناك لا تشكّل ايّ خطرٍ امنيّ , وباتَ أنّ هنالك نيّة امريكية ما مبيّته وقد توحي بضغوطٍ امريكيةٍ جديّة على حكومة العبادي , وجعل دخول الوحدات العسكرية الأمريكية كأمرٍ واقع , حيث محال أن تقوم القوات العراقية بإخراج الأمريكان من المدينة عسكرياً أو بالقوة لمئةِ سببٍ وسبب , وما يعززّ ذلك هو وصول رئيسة وزراء بريطانيا السيدة تيريزا ماي الى بغداد ودونما اعلانٍ مسبق عن الزيارة على الرغم من أنّ قدوم السيدة الانكليزية له علاقة بعموم الأوضاع في العراق لاسيما ما يتعلّق بالانتخابات ومواعيدها , وخصوصاً بالحملة الكبرى لمكافحة الفساد التي يقودها العبادي والتي قد تشمل رؤوساً كبيرة من ساسة السلطة , وما قد يتخذوه من اجراءاتٍ استباقية مضادة قد تهدد أو تشكّل خطراً ما على كابينة العبادي أو الحالة الأمنيّة في بغداد كأسوأ احتمال , لكنّ الخشية أو التحسّب من أن تغدو زيارة رئيسة الوزراء البريطانية لها علاقة أخرى بمسألة كركوك ونفطها , وكذلك احتمال ممارسة ضغوطٍ على بغداد للتراجع عن الإجراءات المتخذه ضد تجاوزات الإقليم , حيث الغرب لم يعد يرى في الإقليم سوى حزب البارزاني وسط الخلاف السياسي مع طهران وكسب مواقع النفوذ في الساحة العراقية , انما لا تأكيداتٍ عن اهداف زيارة تيريزا . نرى في الإعلام وسواه أنّ العبادي قد تسرّعَ منذ البدء في كشف اوراقه بما يتعلّق بالأزمة مع الإقليم , وتأكيداته المسبقة حول حلّ الأزمة سلمياً وإعلان امتناعه عن اللجوء لممارسة ضغوط عسكرية واقتصادية على التمرّد في الإقليم , وذلك ما جعل قيادة البارزاني تستغل ذلك وتتمادى اكثر وبتشجيعٍ امريكيٍ واضح , وما نتطرّق اليه هو ليس بالسبب الوحيد , كما أنّ انهماك العبادي بالحملة الشرسة لمكافحة الفساد , ينبغي أن لا يترك قبضته مرتخية أمام المتمردين في الإقليم , وأن يُظهر موقفا حازماً أمام الأمريكان , وخصوصاً أنه يتمتع بقاعدة شعبية واسعة من الشارع العراقي , ويمكنه تجييرها وتوظيفها سياسياً وعلى أكثر من صعيد .



