المجتمع العراقي وشخصنة الاداء الحكومي

أمجد السراي
لكل مجتمع طبيعة خاصة به ناتجة من ظروفه التي ساعدت في تكوين شخصيته وهويته سواء أكانت هذه الظروف اقتصادية أم سياسية أم اجتماعية أو حتى دينية وغيرها من الظروف التي تجعل الشعوب تنحى منحى معينا في حياتها وتصرفاتها وما يهمنا هنا هي الحالة العراقية التي لا تنفرد عن القاعدة في كون الظروف هي من صقلت له شخصيته. يعد العراق المنبع الثاني للحضارة الانسانية ان لم يكن الاول اذ اختلف في تحديد الاسبقية بينه وبين الحضارة المصرية وبعيداً عن هذا الاختلاف كانت الحضارة العراقية رائدة من حيث الانجاز المتحقق سواء في المجال القانوني أم في المجال الزراعي أم في المجال السياسي وغيرها من المجالات. هذا الانجاز لم يأتِ من عقل خارق للطبيعة الانسانية كما يروّج اليوم لكل انجاز يتحقق يلصق بشخص واحد وكأنه نبي مرسل، بل جاء هذا الانجاز من خلال عمل مشترك وتنظيم يحترم القانون في اداء عمله تشترك فيه أكثر من جهة سواء أكانت شعبية أم حكومية وحتى الدينية تضافرت هذه الجهود لتخرج بهذا المنجز وهذه الطفرة في الواقع والتحول الى واقع افضل لما هو سائد دون ان ينسب هذا العمل لشخص بحد ذاته ومثاله واضح في التاريخ فالتطور الذي شهدته بلاد ما بين النهرين في فترات متباينة لم ينسب لشخص وانما لحضارة كاملة مثل الحضارة السومرية والاشورية والأكدية. لو سحبنا هذا الامر الى واقعنا المعاصر سنجد بونا شاسعا واختلافا كبيرا اذ ان واقع اليوم أكثر تعقيدا وأكثر اشكالا من الماضي فاليوم بسبب الظروف التي تعيشها المجتمعات وبسبب ظروف اخرى سنذكرها لاحقا اصبحت هذه المجتمعات ذات نظرة احادية الجانب محصورة بنسبة المنافع التي يحصل عليها هذا الشعب. فأي عمل أو منجز في وقتنا الحاضر يتحقق أو يحصل عليه الشعب ينظر اليه من قبل هذا الشعب على انه نتاج شخص واحد حكيم بحيث ان ذهاب هذا الشخص يفقد الشعب ما كان ينعم به وهذا خلاف الطبيعة التي تشير الى عجز الانسان ان يعيش وحيدا فكيف يحقق انجازا عظيما لوحده هذا ما تجهله الشعوب واريد لها هذا الجهل سواء من الحاكم نفسه أو من جهات أخرى منتفعة من حالة السبات لدى الشعوب وقلة الوعي والثقافة. وأقل الاخطار التي تصيب الشعوب بسبب هذا الجهل هو الظلم والاستبداد والدكتاتورية فأي شخص بعيدا عن كونه حاكما هو عبارة عن غرائز وهذه الغرائز تحركها الظروف فغريزة التسلط قد لا تكون موجودة ظاهرا لدى الحاكم لكن بسبب هذا الجهل من الشعوب وشخصنة الاعمال التي يقوم بها الحاكم بشكل غير مبرر يؤدي بالحاكم الى ما لا تحمد عقباه وتبدأ هذه الغريزة في السيطرة على صاحبها أولا الى ان يصبح الحاكم ينظر الى كل ما يقع ضمن الرقعة الجغرافية التي يحكمها ملكا له ومن ثم احكام القبضة على الشعب بحجج شتى. هناك عدة اسباب تؤدي الى هذا المنزلق الخطير (الشخصنة للأداء الجماعي) في حياة الشعوب لا سيما شعوب العالم الثالث يمكن تناول بعضها في هذه السطور:
1- البيئة: تؤدي البيئة دورا كبيرا في توجيه المجتمعات وبناء شخصيتها، فبسبب الظروف التي تعيشها الشعوب اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو دينية تؤدي بالنتيجة الى توجيه المجتمع وجهة معينة لا سيما في الجانب السياسي فعندما تعجز الطبقة السياسية الحاكمة في ايجاد الحلول لمشاكل الناس واوضاعهم عندها يبدأ الناس يتطلعون الى المنقذ لو صح التعبير وهذا ليس خطأ وانما الخطأ يكمن في ثقافة المجتمع المؤدلجة باتجاه الاشخاص وليس البرامج وهذا نابع بطبيعة الحال من الظروف والاوضاع التي يعيشها الناس التي حجبت عنهم هذا الادراك والفهم الصحيح لانشغالهم بأمور أهم وهي توفير اساسيات الحياة التي عجزة الطبقة السياسية عن توفيرها.
2- الكاريزما: تعرف الكاريزما بانها مجموعة خصال يتصف بها شخص ما قد تكون مكتسبة وقد تكون أصيلة فيه وهي تقوى وتضعف حسب البيئة ففي المجتمعات التي يحكمها النظام والقانون يقل دور الكاريزما لكن في المجتمعات التي تبتعد عن القانون يكثر فيها تأثير هذا العمل فكما ذكرنا في العامل السابق ان المجتمع عندما تعجز الطبقة الحاكمة في ايجاد الحلول لمشاكله يبدأ بالتطلع الى واقع جديد وهذا الواقع ربما يصنعه هذا الشخص ذو الكاريزما بوسائل عوّل الشعب عليها أي انها وسائل مشروعة شعبيا لكنها في كثير من الاحيان معطلة للقانون لذلك اثرها لا يدوم كثيرا وتزول بزول الشخص الحاكم.
3- الثقافة المجتمعية أو الثقافة العامة: يعد هذا العامل من أشد العوامل تأثيرا على توجهات وقرارات الافراد والشعوب بصورة عامة. فالشعوب التي يسودها العلم وحب المعرفة لا يمكن ان تكون نظرته احادية الجانب أو مشخصنة باتجاه معين لان الثقافة الموجودة في هذه المجتمعات هي ثقافة حقيقية اهلتهم لان يكونوا أهلا لحماية حقوقهم وحرياتهم بطرق سليمة وقانونية وهذا مرجعه الدولة المؤسسية وليس دولة الاحزاب الحزب الفلاني يخرب والاخر يبدأ من حيث انتهى الاخر وهكذا وكأننا ندور في حلقة مفرغة لا نهاية لها. عكس ما ذكرناه سلفا في المجتمعات النامية أو دول العالم الثالث لا نجد مثل هذه الدولة التي ترسخ العمل المؤسسي في ذهن الجماهير وتثقيفها بشكل صحيح يجعلها تميز ما هو بصالحها من عدمه وهذه الحالة من أكثر الحالات الموجودة في عراقنا الحبيب للأسف الشديد فبسبب الجهل الذي يعيشه المجتمع العراقي تسلط على رقابه من لا يرحمه من الظلمة وحكام الجور والشعب بلا وعي يساندهم تارة سعيا وراء رغيف الخبز الذي يسد جوعه (الفقر كافر) أو ربما لجهله بالنوايا الحقيقية لهؤلاء وهذا المرجح أكثر وبطبيعة الحال هذا الجهل الذي يعيشه المجتمع العراقي يراد له ان يدوم كونه يخدم مصالح كثير من الجهات الخارجية والداخلية. هذا الجهل المتعمد للمجتمع العراقي أخذ يزداد شيئا فشيئا وبمعدلات خطيرة جدا وعلى الصعد كافة ، فالشعب أصبح لا يهتم بأموره العامة والمشاركة في ادارتها بالتعاون مع الحكومات كونه اشغل في أمور أكثر أهمية في نظر وهو كذلك فتوفير الحاجيات الاساسية هي هم الفقير وليس همه الثقافة والتعلم والمشاركة في ادارة شؤونه وهذا ما عملت على ترسيخه القوى والتيارات والجهات الحزبية المستفيدة من هذا الوضع. وللخروج من هذا النفق المظلم والمستقبل المجهول في العراق خاصة والدول التي تعاني من مشاكل مشابهة يمكن اتباع خطة وبرنامج عمل حقيقي تقوم به الدولة من خلال مؤسساتها بالنهوض بالثقافة المجتمعية وتعريف الناس بحقوقهم وواجباتهم وترسيخ احترام القانون فعلا وعلى الجميع دون استثناء كي تلمس القواعد الشعبية العدالة في تطبيق القانون وهذا ينعكس بالتالي عليها في احترامها للقانون وطاعته، بالإضافة الى ذلك لابد من وجود سيطرة من الدولة على الاعلام لكن بشكل لا يمس استقلاليته هذه السيطرة تكون موجهة لمنع الاعلام من الترويج للحكم الدكتاتوري والغطرسة من خلال شخصنة أي عمل تقوم به المؤسسات الى شخص بذاته ومصادرة حقوق الاخرين وكأن العمل انجز بقدراته الشخصية الخارقة وليس هناك أي دور للمؤسسات.



