ما هو الأخطر من الهزات والزلازل ؟!
محمد عبود
لعلنا قوم محظوظون بعيشنا على أديم أرض ساكن لا تهدده الهزات ولا ترجه الزلازل – بشكل دائم – كما هي الحال في الدول الواقعة على الخط الزلزالي كاليابان مثلا ، كذلك لسنا بمنأى تام عن قصف كوارث الطبيعة لأرضنا وان كان بفترات متباعدة ولم يستطع البشر بعلمهم وفهمهم الى الان من منع حدوث الكوارث الطبيعية فكل ما حققوه في هذا المضمار هو التقليل من الاضرار الناجمة عن الكارثة وإتباع توجيهات تتعلق بالسلامة الوقائية الصادرة من قبل الجهات المختصة التي ترى ان حسن التعاطي البشري من الناحية السلوكية والفعلية مع هكذا حدث كبير لا يضاهيه في الاهمية امر اخر، وحينما هزتنا الارض في ليلة الثاني عشر من تشرين الثاني تكشفت الكثير من الظواهر المحملة بسوء التعامل مع مجريات الحدث باستثناء التعامل الفطري والسليم المتمثل بالخروج الى الاماكن المفتوحة ، ومن تلك الظواهر الاعتماد الكلي على الفيس بوك للحصول على المعلومات بخصوص الهزة الارضية ومقدار درجتها ومدى شدتها وحجم الاضرار وهنا وقع الغالبية في شباك الارتباك بسبب تضارب المعلومات التي يسوقها مسؤولو الصفحات على المواقع دون اي علم أو دراية واختلط الجد بالهزل والشائعة بالحقيقة والكذب بالصواب وقد سادت حالة من الارباك العام ودخل الجميع في متاهة اذ ان رب الأسرة قرأ منشورا يقول في منتصف الليل ستحدث هزة ارتدادية وطلب من أفراد الأسرة مغادرة المنزل فورا بينما رفضت الابنة الخروج لأنها قرأت منشورا يبين ان الهزة مرت بسلام وكل شيء على ما يرام وهلم جرا، لكن من جلس امام شاشة التلفزيون وشاهد القاء المذيع بطريقة الصراخ وهو يتحدث مع المراسل الذي تقمص دور الخبير في هيأة الرصد الزلزالي محذرا أو متنبئا بوقوع هزات اخرى خلال الساعات المقبلة ومراسل اخر متمنيا انه لو حصلت الهزة في مكان معين .. لا داع لذكره ، هنا بدا الرعب يتسرب الى نفس المتفرج ولا يعرف ما يجب اتخاذه ملتقطا هاتفه الجوال مدونا على صفحته الشخصية في الفيس بوك ما سمعه من المذيع الصارخ والمراسل الخبير ، دون ان يجشم نفسه عناء مشاهدة القنوات التي انضم اليها متحدث عن هيأة الرصد الزلزالي أو مسؤول في مديرية الدفاع المدني أو الدخول باستخدام هاتفه المحمول الى موقع هيأة الرصد واستقاء المعلومة من المصدر والاسترشاد بها للعبور الى ضفة السلامة والأمان دون الاستغراق في مواقع الكذب والتحريف وقنوات التهويل والتخويف . في اوقات الازمات والكوارث يسعى المواطن الى النجاة اولا والتعرف عما يدور من حوله الثانية ، وتسعى وسائل الاعلام ومواقع التواصل الى ملء هذا رغبة الناس بالمعرفة من خلال ضخ المزيد من المعلومات والأخبار وتتسابق فيما بينها لكسب اهتمام المتلقي والوصول اليه لكن هذا السباق قد يخرج عن الاطار المهني وتنتج عنه تداعيات خطرة عبر ايلاء الاثارة اهتماما اكثر من المصداقية والرصانة في نقل الاخبار ما يتسبب برمي الجمهور في حقل معلوماتي مضطرب الاجواء تنشأ منه اهتزازات تشيع الفوضى وتقوض النظام في المجتمع مخلفة آثاراً قد تكون أشد وأقوى من هزات الارض ذاتها .



