النسخة الرقميةثقافية

قسمة بابا

محمد علوان جبر

وجدت نفسها في بيت يتوسط قطاع من القطاعات القريبة من السدة، في سبعينات القرن الماضي ولدت كأي صبية جميلة، لكن جوقة الاطباء الذين تحلقوا حولها قالوا للأب أنها معاقة، سماها ابوها «قسمة». أمام أنظار الاب والأم الحزينة كبرت «قسمة»، لم يبن عليها شيء مما قاله الاطباء، فهي جميلة وتكركر كثيرا حالما يقترب منها ظل لأب أو أم. تضحك بتواصل، الاطباء قالوا عنها انها مصابة بالتوحد الشديد. لكنها كبرت بسهولة، لم تصب يوما بالزكام أو بأي مرض طوال عمرها، تجيد الضحك وأكل الحلوى واطلاق ما تسميه النكات التي لا يفهمها أحد عدا اباها الذي يضحك معها. واذا لم يكن هناك أحد معها تطلق النكتة وتضحك وحدها. وفر لها الأب ما لم يوفره لاخوتها واخواتها. «قسمة» الضاحكة تعلقت بالأب الذي ذهب الى الحرب، في كل شهر يذهب الى الحرب ويعود يجلب لها الكثير من الدمى والحلويات، إلا في المرة الاخيرة التي ذهب فيها ولم يعد، لكنها حسبت تواريخ عودته في رأسها الصغير فأقرت بأن غيبته طالت. لكنه عاد الى البيت ملفوفا براية الوطن. قسمة وقفت قرب التابوت مذهولة من بكاء أمها وجدتها والكثير من النسوة اللواتي تحلقن حول التابوت الذي وضع في الهول الصغير، قسمة انتابتها نوبة من الضحك الهستيري. حينما قالوا لها ان من في التابوت هو أبوها الذي كان يجلب لها الكثير من الحلوى، كيف يمكن لأبيها الذي يحبها أن ينام بين خشبات ملفوفة بخرقة ملونة دون أن يجلب لها الحلوى؟! وقبل أن يحملوا التابوت وقفت وقربت وجهها من الخشبة وصاحت «بابا أنا قسمتك.. اريد حلويات»! ولم تبك، اكتفت بهذه الصرخة وعادت تلعب باشيائها الصغيرة. كانت في الثانية عشرة من عمرها حينما غادرها الاب، وفي الخامسة عشرة غادرتها الأم، لكنها كانت تقول لكل من يسألها عن اسمها «أنا قسمة بابا»، وحينما تقولها تنزوي وهي تطرق رأسها الى الارض وتضيف «كان يجلب لي صينية من الحلويات». «قسمة بابا» على مشارف الخمسين من عمرها، ما زالت لا تجيد الا الضحك والضحك، واطلاق النكات التي لا يفهمها أحد، والتي لا يضحك عليها أحد إلا هي. «قسمة بابا» تقف اليوم قريبا من بوابة البيت الذي يتوسط القطاع الذي يحاذي السدة، تنتظر عودة الأب الذي كان يجلب لها الحلوى، وفي مخيلتها عبارة تريد أن تقولها له «اريد يا أبي دمية كبيرة بحجمي.. تضحك كثيرا وتحب الحلوى مثلي». «قسمة بابا» تعيد العبارة التي تريد أن تقولها للأب ولكن بلغة لم يفهمها أحد، وحينما ينال منها التعب تنزوي في غرفة من غرف البيت الذي يتوسط القطاع المحاذي للسدة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى