لكي لا يرتكب مسعود بارزاني خطأ تاريخياً آخر أخطر من الاستفتاء

د. سعد ناجي جواد
على الرغم من ان كل ردود الأفعال الإقليمية والدولية لعملية الاستفتاء كانت متوقعة جدا وان قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني ومن تحالف معها قد سمعوا اعتراضات واضحة وطلبات صريحة، لا بل في بعض الأحيان توسلات لكي يتراجع مسعود عن قراره ، إلا ان العناد، والذي شبهته في مقالة سابقة بما حدث في اب ١٩٩٠ والكوارث التي حصلت بعده، جعل الجميع في كردستان العراق ينجرفون وراء ذلك دون اي اعتبار للمخاطر المتوقعة.
وربما يمكن القول ان ما فاجأ بارزاني اكثر من كل شيء هو الطريقة التي تعامل بها رئيس الوزراء حيدر العبادي مع الأزمة. الذي يسجل له انه لم ينجر الى الاستفزازات والتصعيد ولا الى استخدام القوة في منع الاستفتاء. كل الذي عمله هو انه لجأ الى الدستور والقانون والمعاهدات الدولية. وكانت فعالية الإجراءات التي اتخذت مصحوبة بالموقف الواضح والصريح والمتوقع جدا من ايران وتركيا، وأوربا والى حد ما الولايات المتحدة، قد اصابت القيادات الكردية بالذهول وعدم القدرة على التعامل معها، وكأنها لم تكن تتوقع ذلك أبدا، على الرغم من وضوحها. لا بل قيل ان احد القياديين من خارج حزب مسعود والذي تبجح بنتائج الاستفتاء، عاد ولامه مباشرة قائلا انك أخبرتنا بان القوى الإقليمية لن تعترض وان القوى العالمية وخاصة الكبرى مؤيدة لإجراءاتنا وان ما حدث هو العكس تماما. وكانت الضربة الأشد والأقسى لقيادة كردستان قد تمثلت في نجاح القوات العراقية في استعادة كل المناطق المتنازع عليها ، وخاصة كركوك وآبارها النفطية. وفي الوقت الذي يعتقد البعض ان المشكلة قد انتهت عند هذا الحد، إلا ان هناك إشارات واضحة وصريحة بل وخطيرة وتنذر بكوارث اخرى قادمة بدأت تلوح في الأفق.
اول هذه الإشارات جاءت من السفير الامريكي السابق للعراق زلماي خليل زاد ، والذي عمل في الآونة الاخيرة مستشارا لبارزاني ومؤيدا، بل وحاثا له على المضي في الاستفتاء (شأنه شأن سيئ الصيت بيتر كالبريث صاحب كتاب نهاية العراق، واليهودي الصهيوني برنارد ليفي، وغيرهم)، فلقد كتب زاد مقالة صريحة في احدى الصحف الامريكية المهمة يدعو فيها الولايات المتحدة الى الوقوف الى جانب الاكراد في أزمتهم مع بغداد وعدم التخلي عنهم. ثم جاءت الإشارة الاخرى من جون ماكين السيناتور الامريكي المعروف والذي طالب الولايات المتحدة بمحاسبة العراق لأنه استخدم الأسلحة الامريكية التي زود بها ضد الشعب الكردي حسب تعبيره، وهذا ما لم يحصل. وأخيرا وليس اخرا ما بدأ ينشر في الصحف اليومية الامريكية والاسرائيلية، من ان ما حدث من نجاح عسكري في كركوك مرده الى دخول قوات إيرانية الى العراق وأنها هي التي حققت هذا النصر العسكري الكبير والسريع، وكأنها تقول للسيد ترامب ان ما حدث يمثل تحديا لسياسته الرامية الى تحجيم دور ايران في المنطقة.
وأخيرا وليس اخرا فان أخطر المؤشرات أتى من الرسالة التي وجهها مسعود بارزاني الى الشعب الكردي، والتي تحمل في طياتها وبين سطورها تهديدا ووعيدا وتحريضا وإصرارا على المضي في نفس النهج. وليس واضحا لحد الان فيما اذا كانت هذه الرسالة من بنات أفكار مسعود ام انها جاءت نتيجة لاستشارة سيئة من مستشاريه الأجانب الذين اثبتت الوقائع بأنهم لا يملكون ذرة من الاهتمام بالشعب الكردي في العراق وبمصالحه الوطنية والقومية، ولكن كل الدلائل من طرف الحزب الديمقراطي الكردستاني تشير الى ان ما يجري يسير في طريق توريط مسعود باتخاذ قرارات خاطئة اخرى. اول هذه القرارات هو اعلان استقلال كردستان من جانب واحد. والثاني تحريضه على الاحزاب المعارضة له ودفعه لشن حرب عليها لأنها حسب رأي المحرضين والمستشارين السيئين ، قد خانوا القضية القومية الكردية. وأما الخطوة الخطيرة الاخرى والتي ظهرت إشارات لها ايضا في رسالة بارزاني فتتمثل في السعي الى اللجوء الى الولايات المتحدة و»اسرائيل» لدعم البيشمركة التابعين له في شن حرب على القوات العراقية لاستعادة ما خسروه في اليومين الماضيين، وبدعوى ان هذه ليست قوات مسلحة عراقية وإنما قوات مسلحة إيرانية متنكرة بزي الحشد الشعبي والشرطة العراقية، وأنها كانت بقيادة قيادات عسكرية إيرانية ومن حرس الثورة الايرانية الذي وضعته الادارة الامريكية مؤخرا في قائمة التنظيمات الارهابية. ربما يعتقد بارزاني بان الاعتماد على هذه الوسائل مجتمعة أو اي منها منفردا سيعيد له ما خسره في الأيام القليلة الماضية، ولكن هذا لن يحصل وإنما ما سيحصل هو اقتتال دامٍ وحروب داخلية لن يجني منها العراق عامة ومنطقة كردستان خاصة سوى التدمير وضياع الأرواح الزكية للعرب والأكراد. لقد جازف بارزاني بكل ما حققه شعبنا الكردي وكردستان العراق منذ عام ١٩٩١ ولحد الان، ومنذ إقرار الدستور السيئ في عام ٢٠٠٥ ولحد الان، ولقد ثبت بما لا يقبل الشك فشل مجازفته الاولى. ولا اعتقد انه يجب ان يستمر أكثر في المجازفة بمصير شعب وأمة والاستمرار في نهج اثبت عدم صوابه. ان أقل ما يمكن ان يفعله مسعود الان هو ان يلجأ الى الحكماء من الاكراد حوله، وهم كثر وأكثر كفاءة وإخلاصا للشعب الكردي من الأجانب المتصهينين، والدعوة الى انتخابات رئاسية ويظهر إيمانه في مبدأ التبادل السلمي والديمقراطي للسلطة وان يعيد تفعيل برلمان كردستان بكل أطرافه المؤيدة والمعارضة له، وان يظهر إيمانه الحقيقي بالتعددية التي طالما تحدث عنها. وأخيرا ان يشكل برلمان كردستان حكومة جديدة بمشاركة الجميع، ووفدا كرديا رفيعا لإجراء حوار جاد مع الحكومة الاتحادية لإنهاء كل القضايا الخلافية والمعلقة. أما العبادي فانه مطالب بان يثبت ما قاله من انه يحاسب جميع الفاسدين عربا كانوا أم أكرادا، وان يبدأ بمن حوله من الفاسدين السياسيين وان يبادر الى فتح الحوار مع القيادات الكردية التي ربما تأخذها العزة بالإثم الان، وأخيرا ان يسارع في دفع رواتب موظفي كردستان الذين يعانون من قطع رواتبهم منذ فترة ليست بالقصيرة. الأمل لا يزال موجودا ولكن لكي يتحقق هذا الأمل لابد ان تصاحبه نية صافية وحب للعراق وخاصة لدى السياسيين. ليس عيبا ان يخطأ الانسان ولكن العيب هو ان لا يتعلم من أخطائه.



