التباين الأوروبي مع ترامب بشأن الاتفاق النووي الايراني

شارل أبي نادر
كان واضحاً منذ بداية فتح الرئيس الاميركي موضوع الاتفاق النووي الايراني ان الاتحاد الاوروبي بأغلب دوله الفاعلة تقارب المشكلة التي خلقها وطرحها ترامب من زاوية مغايرة ومختلفة..
وعلى الرغم من ان تلك الدول الاوروبية تتفهم نظرة الادارة الاميركية بخصوص تعاظم النفوذ الايراني في الشرق وأيضا بخصوص فعالية وحساسية قدراتها الصاروخية الاستراتيجية، فإن هذا الاتحاد يعد ان المقاربة الاميركية غير قانونية وتخالف بنود الاتفاق وتضرب مصداقية الدول في الالتزام بالمعاهدات وبالاتفاقيات، خاصة تلك التي تأخذ الطابع الدولي، سيما وأن ايران لم تخالف بنود والتزامات الاتفاق وبشهادة الوكالة الدولية للطاقة النووية.
من هنا، وحيث ان الدول الاوروبية تعد أيضا – وكما تعتبر الادارة الاميركية – ان ما حققته وما يمكن ان تحققه إيران مستقبلا على صعيدي النفوذ والقدرات الصاروخية المذكورين، يوازي لا بل يفوق ما فاتها من نفوذ كان يمكن ان يقدمه لها برنامجها النووي لو تمت متابعته حتى النهاية، ولكن يبدو انها فهمت حقيقة ما يرمي اليه ترامب في اثارة موضوع الاتفاق النووي الايراني بهذا الشكل، وذلك من خلال المعطيات الآتية:
لقد فهم الأوروبيون ان النزعة التجارية المادية هي الغالبة على روحية ومنهجية عمل الرئيس الأمريكي، وقد ظهر هذا جليا منذ البداية اثناء حملته الانتخابية، وحيث كان يحصر حينها مقاربته نحو دول الخليج (الفارسي) بحصوله على بدلٍ لحمايتها، بمعزل عن تقييمه لدورها المحتمل بدعم الارهاب وبنشر التشدد من خلال قدراتها المالية والعقائدية في انحاء العالم، على الرغم من ان قانون «جاستا» لمعاقبة داعمي الارهاب كان يثير حينها جدلا واسعا في الوسط السياسي والرسمي الاميركي، وكان ترامب أيضا قد قارب مشكلة الدخول غير الشرعي الى الولايات المتحدة الاميركية وخاصة من المكسيك من خلال طرحه بناء جدار فاصل وعلى حساب المكسيك، ولاحقا تبين لهم ان الأسباب الحقيقية لتسويق ترامب للانسحاب من عدة اتفاقيات دولية لها طابع بيئي وإنساني كاتفاقية المناخ ومنظمة اليونسكو مثلا، هو فقط لأسباب التخلص من الموجبات المادية للاشتراك بها، كما قد ظهرت منهجيته المادية للأمور في الكثير من مقارباته السياسية الداخلية والدبلوماسية الدولية.
الأوروبيون فهموا أيضا ماذا يعني وقف العمل بالاتفاق النووي مع ايران، حيث اعتبروا ان انسحابهم كدول اوروبية يعني حكما وقف ايران لالتزاماتها به، الأمر الذي سيؤدي الى أمرين أساسيين:
1- وقف جميع عقود الاستثمار بين عدة دول اوروبية وإيران وما يعنيه ذلك من ضياع فرص اقتصادية ومالية مهمة كانت تؤمنها لهم تلك العقود، وحيث كانت هذه العقود قد حركت الاقتصاد الأوروبي بشكل لافت وأمنت مئات آلاف الوظائف وخفضت نسبة البطالة في تلك الدول بشكل كبير، وهي تكاثرت وتوسعت بعد الانفتاح الأوروبي اقتصاديا على سوق ايران الذي كان متعطشا لتلك الاستثمارات، والذي هو مدعوم وممول بعائدات النفط الايراني الضخمة بعد الغاء العقوبات عليها.. لذا فإن وقف هذه العقود تبعا لإلغاء الاتفاق النووي سيشكل ضربة اقتصادية واجتماعية صاعقة للإتحاد الأوروبي قد لا يمكنه مواجهتها، خاصة في ظل الركود الاقتصادي وفي ظل الهجمة الصناعية الآسيوية على أسواق هذا الاتحاد.
2- من الطبيعي ان الغاء الاتفاق مع ايران والذي سيترافق طبعا مع تشنج دولي واسع، سيجُبر الأخيرة على تفعيل قدراتها وتجاربها الصاروخية، وأيضا على معاودة تفعيل برنامجها النووي، والذي حينها قد لا يكون فقط لأغراض سلمية تتعلق بالطاقة فقط، بل ربما سيتعداه الى امتلاك قدرات نووية عسكرية، الأمر الذي سينتج عنه حكماً استنفار خليجي وإسرائيلي يؤدي على الاقل الى سباق محموم وواسع نحو التسلح، وستكون الولايات المتحدة حكما جاهزا لتأمين الاسلحة المناسبة لمواجهة النفوذ الايراني العسكري المستجد، وطبعا بأسعار وبكميات أيضا مناسبة لإشباع جشع ترامب المادي والتجاري، وحيث ستفرض الولايات المتحدة الاميركية نفسها المستفيد الاول من صفقات الاسلحة هذه كحامٍ اساسي وربما وحيد لتلك الدول، ستكون دول الاتحاد الاوروبي قد انجرت بعلمها أو بغيره، من خلال مساهمتها بإلغاء الاتفاق النووي الى ضرب اقتصادها ومجتمعها، وذلك اذا ما سارت بركب سياسة ترامب المستجدة في ذلك.
وأخيرا.. ربما يكون المتغير الوحيد في سياسة دول الاتحاد الاوروبي اليوم، لناحية معاكسة الولايات المتحدة الاميركية في استراتيجياتها، بعد ان انجرت معها سابقا في الكثير من الفخاخ وخاصة لناحية الحرب على سوريا، هو وجود الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في السلطة، مع قدرته البارزة في التأثير بسياسة الاتحاد الاوروبي- بعد انكفاء بريطانيا – خاصة لناحية ميزته في فهم البعد المادي والتجاري لمنهجية ترامب كونه (ماكرون) يتمتع بخلفية وبقدرات لافتة لفهم السياسات المالية الاقتصادية، وبكل الاحوال، فإن مناورة ترامب مازالت في أول الطريق، ولا بد انه سيحاول دائما بالإضافة الى تشديد ضغطه على ايران، سيحاول العمل مجددا على محاولة ادخال الاتحاد الاوروبي في مناورته ضد ايران من أبواب أخرى.



