شمال العراق وجنوب السودان … انفصال أم انتحار ؟!
الجزء الثاني
محمود الهاشمي
هناك مشتركات كثيرة بين دولة جنوب السودان وكردستان , إذ ان تاريخا طويلا من الحروب مع الحكومات المتعاقبة , طلبا للاستقلال , انتج الافا من الضحايا , وادى الى نزوح الالاف ايضا , في وقت اثرت تلك المواجهات في انهاك اقتصاد البلدين (العراق والسودان) , واذا كان جنوب السودان الذي حصل على استقلاله بعد سلسلة من الاجراءات منها الحكم الذاتي ثم الاستفتاء بعدها باشهر الاستقلال , فان كردستان العراق مازال في مرحلة الاستفتاء . المشترك الاخر للمنطقتين هو انهما دون منفذ مائي فكلاهما محاصر بدول بعضها يملك سواحل وأخرى لا تملك مثل اثيوبيا . وفيهما مصادر نفطية , وان كانت في جنوب السودان أقل ( 150) الف برميل يوميا يقضي ان تضخ بانبوب طوله (1600) كم ليصل الى البحر الاحمر عبر الاراضي السودانية , وقد توقف لان السودان تطالب برفع الرسوم , وبات لا يسد سعر استخراجه .
هذه تقريبا أهم المشتركات بين جنوب السودان وشمال العراق , والسؤال الاهم:-هل استفادت كلتا (المنطقتين) من عملية الانفصال التي دعت لها ؟.
الجواب كلا , حتى ان أغلب شعب جنوب السودان قد ندم على فكرة الاستقلال, وهم الذين صوتوا بكلمة (نعم) للاستفتاء والاستقلال وبنسبة 98%, ففي عام 2016 أكدت المنظمات الدولية أن جنوب السودان تعد أكثر دولة (هشة) في العالم. بحيث ان الشركات النفطية فرت منهم وتركت ممتلكاتها، كما ان المعارك والحروب الاهلية قد تضاعفت وتواصلت الحرب مع الحكومة الاتحادية, وتحول قادتها من رجال سياسة الى قادة حرب, والضحية هو الشعب وخاصة فقرائه , أما امريكا التي دعمتهم, فراح ممثلهم في الجنوب السوداني جورج كلوني , يجمع معلومات عن القيادات السياسية والعسكرية ويتهمهم بأنهم قد أثروا على حساب الشعب , ويجب ان يحالوا للمحاكم . كما أن الدول التي وعدت وحرّضت وأيدت ودعمت الجنوب، تلاشت رغبتها بعد أن ظهرت نذر الحرب الأهلية، وتقاعست عن تقديم المساعدات اللازمة لإنقاذ أرواح مئات الآلاف من البشر، وتركتهم نهبا للفقر والجوع والمرض، وحتى الأمنيات التي داعبت بعض القوى لتحويل جنوب السودان إلى أداة أمنية لضبط إيقاع الأوضاع في شرق إفريقيا تبخرت، والأحلام التي راودتهم لجعلها نموذجا اقتصاديا توارت مع أول صاروخ أطلقه أنصار رياك مشار على قصر خصمه الرئيس سيلفا كير في جوبا.
المشهد مع شمال العراق سوف يكون أشد وعورة، وكل المؤشرات المعلنة تؤكد أن دول الجوار، إيران وتركيا وسوريا فضلا عن العراق، تشحذ هممها للبحث عن آليات للاجهاز على هذا المشروع الانفصالي ، وهي دول لديها الكثير من الأدوات التي تؤهلها لجعل ردة الفعل قوية وصلبة من النواحي الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
لذا فان الاقليم وبعد اصراره على الاستقلال وتعرضه الى حزمة عقوبات, وشعوره بجدية الاجراءات الحكومية ودول الجوار, راح يبحث عن الحوار من أجل ان لا ينقض الشعب على المسؤولين الذين أكرهوا الناس على الاستفتاء دون حسابات تذكر , واستعدادات لمواجهة التحديات التي يتعرّض لها الاقليم .
وبرغم كل المقارنات التي اوردناها,فأن فرصة شمال العراق, هي الاضعف بين كل المناطق (الحالمة بالاستقلال) بما في ذلك الصحراء الغربية , فعلى الرغم من التشابه بين حال كردستان العراق وحال جنوب السودان، تبدو حال كردستان أصعب وأسوأ من حال جنوب السودان، وبالتأكيد أصعب وأسوأ من الصحراء الغربية ضمناً، فالذي يختلف جذرياً بين كردستان وتجربتي الصحراء الغربية وجنوب السودان، هو حجم الاستعداد للإعتراف بالدولة الجديدة وإقامة علاقات تجارية ودبلوماسية معها، بصورة عامة، وعلاقتها بدول الجوار وموقفها ودرجة توترها واستنفارها ضد قيام دولة الانفصال خصوصاً، ومكانة هذه الدول وشبكة تأثيرها والمجال الرادع الذي تنشئه مواقفها بوجه فرص الانفتاح على دولة الانفصال. فالسودان كمعني أول ومعه منظمة الوحدة الإفريقية كمعني إقليمي، ومن خلفهما الأمم المتحدة، كانوا في طليعة المرحبين بدولة الانفصال الجنوبية، وموريتانيا والجزائر الجارين الأقرب لجمهورية الصحراء كانا الداعمين الرئيسين لقيام دولة الانفصال، ومن خلفهما منظمة الوحدة الإفريقية، كمعني إقليمي، وأكثر من ثمانين دولة بادرت للاعتراف فوراً بالدولة الناشئة، بينما في حال كردستان نحن أمام حدود مغلقة لأربع دول مهمة وفاعلة وحساسة ووازنة، هي تركيا وسورية والعراق وإيران، تعارض بقوة وجودياً قيام دولة الانفصال، ومن خلفها لا رابطة إقليمية ولا إطار دولي سيجرؤ على التعامل مع دولة الانفصال، وحجم الحصار الذي يفرضه الجوار خانق ووجودي لكيانها. اذن فالحركة الانفصالية الكردية ستبقى مجرد مشروع انتحار سياسي لا غير .



