اراءالنسخة الرقمية

البطالة وتفضيل العناصر الحزبية تهديد للبلاد وحرمان للعباد إهمال حكومي وفساد مؤسساتي يتسبب بضياع مستقبل آلاف الكفاءات العراقية

تحقيق / مصطفى علاء

قلوبهم مليئة بالتفاؤل حيناً والإحباط حيناً آخر, عندما يرون أن الواقع قد يجعل من أحلامهم مجرد أحلام لأشخاص دفعوا من حياتهم ستة عشر عاماً ليحصدوا السراب.‏ يحتار مرتضى عبد الخالق كيف يبدأ نشاطه اليومي بعد ان تخرّج منذ عام من كلية الإعلام – جامعة بغداد, خبرته كبيرة وهو من الاوائل في الكلية, لم يجد مكاناً يستقبله بعد التخرج لممارسة علمه الذي تعوّد عليه. كان مرتضى قد علل ما حدث بتعب جسده وفكره من كثرة تقديم المستمسكات إلى المؤسسات الحكومية لطلب التعيين, لكنه تذكّر فوجد انه لم يكن له من يساعده في طلبات التعيين التي يقدمها, اذ لا ينتمي لأي حزب سياسي يمكن تقديم مستمسكات لشغل منصب ما.

الكفاءات بين نار البطالة والفساد
لم يشأ مرتضى ان يعرض حالته على أي حزب معين من الأحزاب لتوظيفه , فلم يجد يد العون حتى في المؤسسات الأهلية الحزبية . أما علي خير الله بيرم فهو حاصل على شهادة البكالوريوس يقول: الخريجون من ذوي الكفاءة والاختصاصات لم تقدم لهم الحكومة المساعدة , من أجل توظيفهم واستثمار طاقاتهم الإبداعية لزيادة الكفاءة الإنتاجية في المؤسسات, اذ يعود هذا إلى الأزمة المالية الصعبة التي يمر بها البلد, وعدم توافر ميزانية مالية كافية لتعيين جميع الخريجين بعيداً عن الفيض في زيادة أعداد الموظفين ما يجعل تلك المؤسسات غير قادرة على استيعاب أعداد أكثر من الأيدي العاملة». ويتهم علي «بعض موظفي الوزارات والمؤسسات الحكومية بعدم امتلاكهم الكفاءة والخبرة في العمل وتم تعيينهم عن طريق (الواسطة), مطالبا الحكومة باستبعادهم جميعا واستثمار طاقات الشباب الخريجين, من أجل الرقي وتحقيق الفائدة والربح للمؤسسات, وذلك الأمر يؤدي الى تحقيق ميزانية قادرة على تلبية احتياجات العراقيين, وأهمها تعيين أكبر عدد من أصحاب الكفاءات واستثمارهم».
موت بطيء
ويروي فاضل نعمة وهو خريج كلية هندسة في الأربعينيات من عمره بحسرة وألم: «قبل عدة سنوات وتحت ضغط من الأهل استطعت الخروج من المنزل والعمل على عربة لبيع شراب «الزبيب», وبعد مدة من الزمن تمكنت من شراء عربة أخرى لبيع الـ»الفلافل». ويضيف فاضل وعلى وجهه تلوح علامات الندم: «لقد كان هذا درساً لن أنساه طوال حياتي فلم استطع ان أجد من ينقذني لممارسة عملي الذي تعودت عليه». ولمروة عباس قصة مختلفة, فقد أرادت وهي فاقدة الأمل أن تتوظف في إحدى الشركات الأهلية, فلم تجد غير العبارات الجارحة والتحرّش اللفظي الذي تعرضت له من قبل العاملين بالمؤسسة, اجبرها على ترك العمل, فخرجت ولم تعد إليهم». وتوضح مروة: «التدريب المهني بديل مؤقت, اذ ان كثيراً من الشركات لا ترغب بتوظيف الخريجين الجدد مباشرة، بل تسمح بإجراء مدة تدريب مهني، وتسمح بعض الشركات بتمديد مدة التدريب, إلا أن هذا لا يعد بالحصول على وظيفة ثابتة بل هي خطوة بديلة تزيد من الخبرة المهنية ما يساعد على زيادة فرص إيجاد وظيفة في المستقبل».
من يقوم باستغلال الكفاءات ؟
تعد شهادة التخرج من الجامعة أو المعهد حلماً يراود الطالب فور أن تطأ قدماه أرض الجامعة أو المعهد ويكبر هذا الحلم مع توالي الأيام والأشهر والسنوات ليصبح في النتيجة واقعاً يسر به الطالب والأهل على حد سواء ولكن سرعان ما تذبل هذه الفرحة في نفس الخريج وهو يبحث عن الإجابة عن تساؤل .. وماذا بعد الكفاءة التي يملكها ومن سيقوم باستغلالها ؟.
يقول عبدالله الزيدي (طالب 21 عاما): يجب على الحكومة ان تساعد الخريجين في الحصول على فرصة عمل واستثمار خبراتهم في تطوير العراق, وعلى الوزارات والمؤسسات الحكومية الأهلية ان لا تعتمد على المحسوبية و»الواسطة», اذ هذه الأمور من شأنها ان تقتل المواهب والكفاءات.
وينظر سيف الدين مهدي (23 عاما), للموضوع من زاوية مختلفة فيوضح ان تعيين الكفاءات في دوائر الدولة الحكومية حاليا أشبه بـ»الكذبة الكبيرة», وذلك لأنه لا يوجد تعيين لأية كفاءة في الدولة ولو وجدت هذه الكفاءة في الدولة لكان وضع العراق أحسن إلا أننا نتجه نحو الأسوأ.
وراح اشرف كريم ينتقد مجلس النواب ومن فيه, من خلال توفير درجات وظيفية للنواب وحصصا لهم اذ يقول ان «ثالوث البطالة والفساد وصعود التيارات الحزبية يهدد العراق, ولا يوجد تعيين للكفاءات, فقط الذي ينتمي الى الأحزاب السياسية هو الأفضل بالحصول على الوظيفة».
ويدعو الأكاديمي في كلية الإعلام الدكتور محمد جاسم فلحي الى تفعيل مجلس الخدمة الاتحادي, الذي يقوم باختيار الموظفين, من الطلبة الخريجين الأوائل وتعيينهم في دوائر الدولة, وبالتالي عند احتياج الدولة إلى موظف معين ترسل مواصفات هذا الموظف الى مجلس الخدمة الاتحادي, ويقوم بالإعلان في الصحافة وفي وسائل الإعلام ويتم التنافس على هذه الدرجة الوظيفية واختيار المناسبين لها, لكن هذا لم يفعّل الى الآن ولو تفعل لاختفت الواسطة والمحسوبية والمنسوبية.
الخريجون بين نار البطالة والفساد
تقول شيماء جاسم: «التحدي بعد التخرج هو اثبات الذات والبحث عن العمل وهو غير متوفر لخريجي الكليات فكيف لخريجي المعاهد ومن الضروري للطالب أن يشعر بأنه عضو منتج في المجتمع وخاصة وأنه يمتلك خبرات في اختصاصه من المهم جداً أن يستغلها في خدمة المجتمع, أما التحديات التي تواجهها الخريجة فأولها كونها فتاة في مجتمع ذكوري يفضل تشغيل الشباب على تشغيل الفتيات بسبب حرية الحركة للشاب وإمكانية تأخره في العمل».
تحديات المستقبل المجهول
وتقول بعض الدراسات ان نتائج دراسة استطلاع الخرّيجين الجدد أظهرت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2015 والتي قامت بها شركة يوجوف بالتعاون مع بيت.كوم, بأن 76% من المستطلعين يعتقدون بأن إيجاد فرص العمل هي أكبر التحديات التي تواجه جيلهم مما يجعل 80% منهم يفكّرون ببدء عملهم الخاص في المستقبل.
ويرى مدير إذاعة كلية الإعلام مصطفى الدراجي، ان أخطر ما في هذه الظاهرة هو عدم إمكانية تطور البلد نحو الأفضل , وبالتالي نحن نفقد الكفاءات تدريجيا والكثير منهم يذهب الى خارج العراق, اذ على الحكومة وبالذات وزارة التخطيط ان تعمل بجد لتعيين الكفاءات في المكان المناسب خدمة للعراق والتقدم, وعلى ضوء الأعمال الان وعدم تعيين الكفاءات في المكان الصحيح «الأمن ضعيف تقدمنا بطيء جدا, بالتالي يجب ان ننظم حملة جديدة سواء من الجانب الإعلامي وعلى الحكومة مراعاة هذا الجانب وتعيين الكفاءات في أماكنهم الصحية». ويضيف: الكفاءة والخبرة والمهنية مفقودة بالعراق في ظل الحكومات المتعاقبة, وذلك لصعود المنسوبية والمحسوبية والدفع وكل هذه التفاصيل طغت على الكفاءات. ويبين: «بعض المؤسسات تسعى الى تعيين الكفاءات بالجانب المهني, وإذا لم تستطع الشركة أو المؤسسة ان تحصل على شخص لا يمتلك الكفاءة يكون عبئا كبيرا عليها».
انعكاسات الأمن
ويعلق الخبير الاقتصادي الدكتور الطيب عثمان في كلية إدارة الإعمال – جامعة النهرين على هذا الأمر بالقول، أن انعكاسات الوضع الأمني هو من يتسبب بالتقشف بالعراق ولذلك نلحظ ارتفاع معدلات البطالة في الوقت الحاضر. وأوضح: بعض الإجراءات التي تحصل في العراق أدت الى إهمال الكفاءات, مبينا الى أن الوضع الأمني المتدهور يؤثر في جميع الأمور الاقتصادية, حتى على عرض السلع وتلفها وصعوبة نقلها, جميعا أمور تؤثر في سيكولوجية المواطن. وبين ان القبول بالوظائف البديلة للوصول يستغرق البحث عن العمل مدة أكثر من المتوقع، وهنا ينصح خبراء سوق العمل بعدم اليأس، وقبول الوظائف حتى ولو كانت غير آمنة ودخلها قليل لدخول سوق العمل, فذلك من الممكن أن يكون الطريق الصحيح لإيجاد الوظيفة المرغوبة, مشيرا الى ان سعر الصرف الدولار وانخفاض قيمته يؤثر بشكل كبير في الاستيراد والتصدير, لذا يجب ان تكون هناك رقابة صارمة, مع ضخ كمية من الدولار تكفي لحاجة السوق حتى لا يكون هناك عجز في الموازنة ما يؤدي الى كثرة الوظائف الشاغرة بالعراق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى