النسخة الرقميةثقافية

تفكيك الرواية.. جارة الأزد نموذجاً

المراقب العراقي/ أحمد العتبي

كثر الكلام والتأول في موضوع سيادة الرواية لبقية الأجناس الأدبية وأدلى الكثير من الروائيين والنقاد والمهتمين بذلك بدلائهم أمام قرائهم ومتابعيهم. وهو أمر صحي بحد ذاته، فتعدد القراءات والآراء تمنحان الباحثين والقراء حيزا واسعا من التدبر والتفكر فيما تؤول إليه الرواية بمرور الأوقات والأزمنة. تتميز الرواية، التي هي سمة العصر اليوم، وأكاد اجزم انها سيدة أجناس الأدب في كل من العالم العربي والغرب على حد
سواء، بعد أن سحبت البساط من الشعر، بكونها جنسا أدبيا (هجينا) قائما بذاته، مختلفا كل الاختلاف عن كل الأجناس الأخرى للأدب كالقصة والقصة القصيرة والمسرحية والخطبة والشعر والنثر والسرد التاريخي والمسجوع (المقامة واشباهها) والومضة وحتى الهايكو، وهي التي بعضها زال وغاب عن ساحة الأدب وقارب النسيان وبعضها باقٍ يراوح مكانه إلا من محاوﻻت بسيطة للتحديث والتطوير في المفاهيم والأنساق.
فالشعر على سبيل المثال، يتلاقح اليوم ما بين ثقافات الشرق والغرب، آخذا من الغرب صورا شعرية وبساطة أسلوب ورقة بناء أكثر مما هو آخذ من تاريخه في بلدان الشرق، التي يتميز فيها بفخامة تاريخية أكبر.
كما تتميز الرواية بكونها جنسا متشابها مع كل تلك الأجناس في الوقت عينه، فهي كما يخبرنا (تزفتيان تودوروف) قابلة لأن تجمع كل هذه الأجناس ضمن سياقها الروائي، في وحدة واحدة يشكّلها صانعها الروائي، عبر الاقتباس والاستعارة والكلام المرسل والمقفى والمسجوع على ألسنة الأبطال أو الراوي أو الرواة (في الروايات المتعددة الأصوات).
ولما كانت تجمع كل هذه الأجناس فإنها بالتأكيد قابلة للتفكك إلى أجزاء وأقسام ومقاطع وجمل لتعود إلى مكوناتها السردية الأصلية التي شكلتها عبر اقتباس القراء لجمل منها واشعار ومحاوﻻت الدارسين لمعرفة مكوناتها.
والرواية التي تناولناها مثالا لتفكيك الرواية هي رواية جارة الأزد لكاتبها (النوري خ. الفيصل)، الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت عام 2017 والتي لم تنل تسويقا يليق بها في العراق بسبب اشارتها لبعض المحظورات السياسية للأنظمة الحاكمة قبل 2003 وبعده.
تصور الرواية بشيء من الاختصار وفق وجهة نظر كاتبها، الاسباب السياسية والاجتماعية والنفسية ﻻنخراط بعض الشباب في القتال مع التنظيمات الارهابية بعد عام 2003 بدءاً من القاعدة وحتى (داعش). والان بعد ان تبينّا موضوعها العام وصار لدينا تصور عنه يمكننا الاشارة الى فضائها قبل البدء بتفكيكها وتحليل بعض نصوصها فنقول ان فضاءها المكاني غير محدود بدولة بحد ذاتها، فهو يبتدئ بادئ ذي بدء بعراق صدام حسين حامي حمى العرب وفارس الامة العربية المجيدة من وجهة نظر بطلها (حمزة)، البعثي الشهم الوسيم ابن كركوك رمز الاخاء العراقي المخلص للحزب والثورة. كما يتناول احداثا ابرزها ضرب النظام الصدامي للرياض ومركز القيادة المشترك لدول التحالف العالمي في السعودية، تلك الضربة التي تتسبب بعوق رافق البطلة السعودية (رامة) طوال حياتها. وقد استعمل الروائي اشارات و أورد احداثا في امكنة وعواصم وحواضر اخرى عربية وعالمية ليس ذكرها محل بحث مقالتنا هذه.
وبعد تلك التوطئة يمكننا حصر نماذج (مختارة) تصلح لتفكيك الرواية وفق ما تقدم في بداية المقال وهي كالآتي:
1. الآيات القرآنية والأحاديث النبوية: وردت آيات القرآن ضمن السياق الروائي على لسان الأبطال في مواقف شتى، ومنها ما ورد على لسان حمزة وهو يخرج من دار الخلافة يطمئن قلبه (إنه من يتق ويصبر فإن الله ﻻ يضيع أجر المحسنين) يوسف: 90، ص 132. وأي محسنين وقد دمروا البلاد والعباد وأهلكوا الحرث والنسل؟!
2. الاساطير والخرافات: زيّن الروائي نصه الروائي بذكر اساطير وخرافات شعبية عديدة، منها قوله واصفا حارات جدة القديمة: (أما جدران بيوت الحارات القديمة فيقطر من خلالها دهن عود يشكر الأرض كل نهار على استضافة أم البشر (حواء) في أحد الأيام هنا) ص 25، وهو في ذلك يشير إلى الاعتقاد القديم القائل بدفن حواء فيها، ولهذا سميت بجدة، لأن حواء أم البشر وجدة البشر. ومثلها قوله: (بتحريض من أمه الأرض قتل كرونوس والده أورانوس بالمنجل وقبل أن يموت أخبره بنبوءة مقتله أيضا على يد أحد أبنائه، فقام كرونوس بابتلاع أبنائه الرضع واحدا تلو الآخر). والاخير هو حشر لجذب الانتباه إلى الويلات التي لقيها (حمزة) بطله بمقله لأبيه وبمناداته على ابنته وزوجته قبل أن يقتلن ولم يكن موفقا فيه بالمرة.
3. الاشعار: يقتبس الروائي ضمن سياق النص الروائي أشعاراً فصيحة عمودية وحرة، وأخرى شعبية، وأخرى نبطية بفعل بنية روايته وفضائها الذي اختاره العالم العربي كله بدءاً بالمشرق في العراق وحتى بلاد المغرب العربي.
ومنها ما وجدناه من شعر (صلاح عبد الصبور) ص 97 و(بدر شاكر السياب) اذ يقول:
الشمس اجمل في بلادي من سواها
طلا فيه عطرك يا عراق
ص 115
ولنا ان نختار ايضا هذه الابيات من الزهيري العراقي حيث يقول:
دوا خلخال محبوبي دواوين
وحزن قلبي يكتب لك دواوين
عجز الدكتور ما حصل دوا وين
دواي هناك ومحرم عليه
ص 202
4. احداث التاريخ: وردت احداث التاريخ وفق ما وجدناه في تحليلنا لنصوص الرواية على الاشكال الآتية:
أ. احداث تاريخية: ومنها نختار المثالين الآتيين:
ـ تناول الروائي لما يسمى (الحملة الايمانية) التي قادها صدام حسين في تسعينيات القرن الماضي إبان خسارته حرب الكويت وفرض الحصار الاقتصادي على العراق، وما تلاه من جوع ونقص في الاموال والانفس والثمرات وتأثير تلك الحملة (سيئة الذكر) في انتاج جيل من الدواعش اصبحوا فيما بعد خلايا نائمة وحواضن للفكر المتطرف القادم من خارج العراق، وكما ورد في ص 17 وما تلاها. فكانت تحليلا جيدا منه في الاشارة الى بعض بدايات التطرف والغلو والجنون الذي ولد داعش وغيرها من التنظيمات الجهادية.
ـ ذكر الحسن بن الصباح مؤسس حركة الحشاشين في قلعة آلموت الجبلية من بلاد خراسان معقل الحسن الصباح ومن معه من شيوخ الجبل ومقر الجنة المزعومة ذات الحور العين والولدان المخلدين التي صنعها لهم، وتحليل ما كان من إخبار تاريخي بأن ذلك التنظيم كان أول من أسس لآيديولوجية الفداء (اغتيال المخالف) في ص 66.
ب. ميتاقص تاريخي متخيل: كدراسة حمزة في روسيا للفيزياء الميكانيكية على حساب التصنيع العسكري/ منشأة القعقاع العامة وخروجه من العراق بجواز سفر واسم غير حقيقيين اعدا لذلك الغرض ومحاولة انتاجه لمدفع خارق لصالح الجيش العراقي قبل 2003 وهو ما لم يتحقق اثر اجتياح العراق من قوات التحالف الدولي بقيادة الوﻻيات الامريكية المتحدة. وكل ذلك في ص 37 وما تلاها.
5. الحكم والمواعظ: ومن ذلك حديث (عبد الله بن مسعود) احد صحابة رسول الله (ص) حين قال: (خير العمل ما نفع وخير الهدى ما اتبع) ص91. والتي نشرها البطل في الأول من آيار،عيد العمال، على صفحته الشخصية في الفيسبوك.
6. الاخبار المسموعة والمرئية: ومنها ما نقله عن قناة العربية الحدث في ص 121 والذي يشير الى قتل ما يقارب 800 معتقل شيعي ممن افرج عنهم من معتقلي سجن (بادوش) على ايدي تنظيم داعش الآثمة.
والخلاصة أن (جارة الأزد) هي مثال لتفكيك الرواية، على الرغم من بعض الخلل الذي يشوب البناء السردي لها، وعدم استطاعة الروائي على الإحاطة بشكل كبير بمقوماتها الحكائية، وتشظي وتفكك النص في نهاية الرواية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى