دور التضليل الإعلامي في الحرب الناعمة .. تاريخه وقواعده
ففي مجال التضليل الإعلامي تبين أنّ أقدم عملية من عمليات التضليل الإعلامي استطاع تحديدها بعد الدراسة والبحث هي قيام كهنة معبد الشمس في جنوب العراق بكتابة تاريخ إنشاء المعبد على أنّه في عهد الملك الأكدي « مانيشا توشو» والذي كان قد توفي حتى قبل البدء بالبناء، وذلك لتبرير النفقات الباهظة التي تم صرفها وإقناع الناس بذلك».
قواعد وشروط التضليل
• ان تكون عملية التضليل بغير علم الطرف المُضلل: ولكي يؤدي التضليل دوره بفعالية أكبر لا بد من اخفاء كل شواهد وملامح وجود التضليل، اي أن التضليل يكون ناجحاً عندما يشعر المضللون بالأشياء والمعطيات هي على ما هي عليه من الوجهة الطبيعية .
• ان يكون هناك موثوقية أو مقبولية للجهة القائمة بعملية التضليل سواء كانت شخصاً موثوقاً بالظاهر أم أداة تضليل اعلامية أم خطوة ميدانية روتينية غير مثيرة للشبهة. وهذا الشرط ضروري لتلقف الطعم التضليلي دون الشعور به. ويشبه هذا الأمر قيام الصياد بوضع قطعة خبز أو عجينة وغرس الصنارة داخلها واخفاء حبل وخيط الصيد بلون المياه ورميها في قاع البحر لأجل اقناع السمكة بانها ستحصل على الطعام، في حين أن عملية الخداع غرضها الإمساك بالسمكة.
• قابلية النفس والجماعة عامة والطرف المضلل خاصة للوقوع بالتضليل..وتفصيل هذا الشرط على النحو الآتي :النفس الإنسانية بالأصل سلبية لا تقاوم ما يغزوها من المنافذ الخارجية، خاصة إذا كان الغزو بوسائل ناعمة ومخادعة وماكرة واقناعية خبيثة وبأساليب غير عدائية. ويعبر الشهيد محمد باقر الصدر (رض) عن هذا الأمر بالقول : إن « الإنسان بطبيعته كيان حسي مادي أكثر منه كيان عقلي أو روحي، يعيش مع حواسه المرتبطة بجسده، ولا يعيش الإنسان حالات الإرتفاع والترقي العقلي والروحي إلا في سويعات وأوقات محدودة « وطبيعة الجهاز الإدراكي والنفسي والعصبي للانسان طبيعة مفتوحة على العالم الخارجي وهي تلقينية ومتلقية، ويعتمد الجهاز الإدراكي للإنسان في تكوين الآراء واصدار الأحكام على الموضوعات على المصادر والمعلومات الخارجية البصرية والسمعية والخبرية وقابلية الجهات والمنظمات والأحزاب للتضليل لأنها مقسمة بطبيعتها الى هياكل و وحدات وشخصيات وتراتبية تنظيمية، وهي غير منسجمة وغير منسقة بالأصل، والقائمون عليها ليسوا على عقل واحد ولا على قلب رجل واحد، وهو ما يوضح ويفسر الصراعات التنظيمية التي تنشب بين الأجنحة والشخصيات، وهذا ما يترك فجوات كبيرة بين فروعها وأذرعها وأشخاصها، تتيح للمترصد التغلغل وممارسة التضليل والنفوذ ولا تتوفر الجهات والمنظمات غالباً على نظام فعال لتبادل المعلومات بصورة انسيابية، ولا يوجد فيما بينها آليات للتنسيق الفوري واليومي والتفصيلي، بسبب الحذر الدائم الذي أشرنا اليه بدافع اختلاف المصالح والحسابات، وهو ما ينعكس ضعفاً في المنظومة المعلوماتية للمنظمة وقابلية النخبة القيادية للتضليل رغم امتلاكها إشرافاً عاماً وشبكة مصادر معلوماتية ومستشارين، بسبب صراعات الأجنحة ومراكز النفوذ المفضي الى صم الآذان وعمى البصيرة، حصل ذلك في عشرات الحالات في العالم أبرز مصداق هو تضليل النخبة القيادية للإتحاد السوفياتي، ومحاولة تضليل النخبة القيادية الإيرانية وقابلية الرأي العام بما هو جنوح للأكثرية في مجتمع محدد نحو رأي ما، وحتى لو توفر ذوو بصيرة أو رأي لعدد قليل آخر، فإن التأثير ينعدم أمام موجة الأكثرية الساحقة .
دوافع وأهداف التضليل
• الهيمنة والسيطرة والتحكم الكامل بعقل وإرادة و وعي الطرف المستهدف بالتضليل وتوجيهه لتحقيق الأهداف المرسومة طواعية وبدون علمه وشعوره، أي أن ينوب بالوكالة عن القائم بالتضليل في تنفيذ ما يريد، وقال عرف جوزيف ناي منظر مقولة القوة الناعمة الأميركية: إن « صناعة تصورات الآخر المستهدف كي يصبح مريداً لما نريد بالإقتناع والرغبة والإستمالة بدون ظهور حركة أيدينا أو بصماتنا، وأن ينفذ أهدافنا طواعية دون ضغط ولا إكراه ولا دفع رشوة مالية».
• تشويش عقل و وعي الطرف المستهدف بالتضليل، وشل تفكيره الصحيح، وتسميم معطياته الموثوقة، وتجريده من القدرة على الحركة والقيام بالسلوك غير المرغوب من القائم بالتضليل. وبحسب عبارة السيد القائد الخامنئي ( إيجاد الخلل في نظام الحسابات ) .
• إثارة المشاكل والمخاوف والفتن والفروق وضخ الأزمات وتضخيمها لصرفه وإشغاله عن تحقيق أهدافه أو لدفعه الى تصرف يورطه في خلاف مصالحه وقد يجره الى عدم الثقة بالمنظومة التي كان يتحرك من خلالها سابقاً.
• خلق واقع جديد لا علاقة له بالواقع المتحقق فعلاً، وذلك بهدف خدمة مصالح وأغراض خاصة .
• احداث التأثير بطريقة قصدية ومبرمجة في وعي وادراك الطرف الآخر.
..يتبع…



