اخر الأخبار

ظاهرة لا تواكب متطلبات العصر

مِن نافلةِ القول أنَّ تأريخَ العراق القديم حفل بمنجزاتٍ حضارية، ساهمت فِي بلوغِ شعبه درجة عظيمة مِن الرقيِّ والتقدم. وَلعلَّ ما حملته موروثات بلاد الرافدين إلى الأجيالِ اللاحقة مِنْ كنوزٍ أثرية ما تَزال الكثير مِنْ شواخصِها قائمة، بالإضافةِ إلى مَا تضمنته مختلف أوعية التوثيق مِنْ معلومات، تُعَدّ مِنْ دُونِ أدنى شك دلالات عَلَى شيوعِ روحِ الابتكار فِي نفوسِ أهلِ العراق القدامى، فضلاً عَنْ ريادتِهم فِي صنعِ الأبداع وإنتاج الافكار الخلاقة، إلا أَنَّ كُلُّ مَا أشير إليه آنفاً مِنْ عذوبةِ الماضي وجاذبية إيقاعه، لا يتوافقُ مع مَا يشهده حاضر العراق مِنْ مظاهرٍ التخلف الَّتِي تعكس سيادة الجهل وعبثية الفعل الإنسانيّ؛ جراء عشوائية التحولات الهيكلية فِي منظومتِه القيمية، وَالَّتِي لا رَيْبَ مِنْ مساهمتِها بشكلٍ فاعل وَمؤثر فِي فقدانِ المجتمع لبوصلةِ التمدن والتحضر.
المذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ بلداً يقر له الجميع فِي إيغالِ تاريخه بالقدم، وتؤكد الكثير مِنْ الوثائقِ المادية أَنَّ أرضهُ كانت فيما مضى مستقراً لإقامةِ أولِ الحضاراتِ الإنسانية وأقدمها، فضلاً عَنْ حملِها شرف ظهورِ أول حرف نير للبشريةِ عَلَى أديمِها، أصبح حاضره أقرب إلى قانونِ الغاب منه إلى سيادةِ القانون، بعد أنْ أخفقت أذرع القيادات الإدارية – التشريعية والتنفيذية – فِي الركونِ إلى مَا تباين مِن السبلِ الكفيلة ببلوغِ أفق الدولة المدنية المرتجاة، وَالَّتِي مِنْ شأنِها ترسيخ أسس الكرامة الإنسانية، والتمسك بتحقيقِ العدالة فِي توزيعِ الثروات. الشعور
لا نبعد عَنْ الصَوَابِ إذا قُلْنَا إنَّ مَا عرف بِه مجتمعنا – عبر تأريخه الطويل – مِنْ توادٍ وتراحم وحسن تعايش مَا بَيْنَ الأهالي الَّذين يشكلون بما تباين مِنْ إثنياتهم نسيجه الاجتماعيّ، أصبح مَا بينَ ليلة وضحاها ضحية سلوكيات الفوضى وعبثية إجراءاتها المتنامية، وَالمتأتية مِنْ ولوجِ رؤى مستهجنة إلى أبعدِ زاويةٍ فِي فضاءاتِه؛ جراء الركونِ إلى خياراتٍ لا تواكب متطلبات العصر، ولا تتوافق بشكلٍ تام مع متطلباته. وَليس خافياً أنَّ فِي طليعةِ الظواهر غير الحضارية هو مَا يتمثل فِي تصاعدِ وتيرة النزاعات العشائرية المسلحة، وَمَا شابها مِنْ استخدامٍ مبهرٍ لمختلفِ أنواع الأسلحة عوضاً عَنْ السعيِّ لاحتكامِ المتخاصمين إلى اروقةِ القضاء. وَأَدْهَى من ذلك امتداد أثر تلك الظاهرة السيئة إلى مختلفِ الأوساط والشرائح الاجتماعية، وصولاً إلى هيمنةِ بعض أطرها عَلَى البسيطِ مِن الاختلافاتِ العائلية، وأكثرها تفاهة؛ بالنظرِ لتجاوز مديات الظاهرةِ المذكورة آنفاً روح التسامح وسلوك الحوار الهادئ المقترن بالحكمة.
المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ ضعفَ إجراءات الأجهزة الأمنية، ورتابة تدابيرها المعنية بإشاعةِ الأمن والمحافظة عَلَى أرواحِ المواطنين وسلامة مصالحهم وممتلكاتهم، كان مِنْ أبرز وأهم العوامل الَّتِي ساهمت فِي المدةِ الماضية باهتداءِ غالبية مكونات النسيج الاجتماعي إلى اعتمادِ قانون العشائر سبيلاً للتفاهماتِ بقصدِ إعادةِ الاعتبار، ومنهجاً رئيساً لحلحلةِ ما يظهر مِنْ خلافات، وَالَّتِي كثر مَا يكون ضحاياها من الأبرياءِ أو الفقراء؛ إذ أنَّ ضعفَ سلطة القانون ساهمت فِي نموِ مقومات البيئة الخاصة بوقوعِ هذه المحنة في بلادٍ عاش أهلها منذ عقود طويلة من الزمانِ متآخين ومحبين لبعضِهم البعض.
فِي أمَانِ الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى