ثقافية

المراقب العراقي تنشر رواية «المتلصّصة» للكاتبة اللبنانية زينب فياض

الحلقة الاخيرة

زينب محمود فياض كاتبة من لبنان. ولدت وعاشت في الكويت، ثم انتقلت إلى لبنان لتكمل تعليمها في دراسة الأدب العربي. تنقلت بين التعليم وإعداد وتقديم برامج الصغار التلفزيونية. كانت من المشاركين في تأسيس جمعية (حواس) الثقافية. أصدرت أول رواية لها (المتلصصة) والتي تنشرها (المراقب العراقي). لها كتاب حواري مع الفنان والاعلامي والاستاذ الجامعي عبد الحليم حمود اسمه (المطرقة)، ولها روايتان قيد الطبع.
كتبت زينب فياض هذه الرواية لتستفز العقل الراكد في مستنقع الخيبات. بدأ من عنوانها الذي أثار بعض الجدل والتحفظات حيث أن هذه الصفة قد تبدو للمجتمع سلبية ومحرضة للعقل ليتجه بتساؤلات مستنكرة. كيف لمتلصصة أن تجهر أمام الجميع بهذا الفعل المثير للريبة.المخادعة
«سأعود مجدداً لاستخدام الخطة ب». أقنعت نفسي بأن «الخطة ب» هي المنقذ الوحيد لي. سيكون هناك متسع من الوقت لأفكر أكثر. لا بد أنّ أهاتف تيم الآن لأخبره بآخر قراراتي. الحب المثالي لا يدوم طويلاً. هذا ما استخلصته من علاقتي مع تيم. ليكون مثالياً لا بد أن ألتزم الصدق وأنا مارست الخداع، لا بل أنا مخادعة وضيعة فعلاً. منذ البداية لم أخبر تيم حقيقة علاقتي بفرات. هذا العقاب يأتي على هيأة تأنيب الضمير يخز بالقلب كأشواك مسمومة. هذا ما اقترفته يداي. سأخسر المتلصّص الوحيد الذي أرسله لي القدر. الأمر الذي أقلقني هو أنه أ يعقل أن هذا المتلصّص لم يلحظ أنني حامل أم أن شيئاً ما تغير في شكلي؟ أعلم أن حجم بطني لم يزد كثيراً ولكن أين الحدس التلصّصي لديه؟ أيُعقل أنّه يعلم ويخدعني بتجاهله للأمر لأعترف له؟ في الحالتين أنا المحتالة وما سيأتي من خداع لهذا الرجل المثالي الرائع المتلصّص أكبر وأعظم.
«لا أريد أن أخسرك ولا أريد أن تخسر المنحة الجامعية التي انتظرتها مطولاً، لذلك فكرتُ ملياً بالأمر، أنت ستسافر هذا أمر حتمي وأنا -إن اتخذت قراري بالزواج -سألحق بك». ساد المكان صمت حزين. لم يكن هناك غير نظرات استفسار في عيني تيم ونظرات مواربة في عيني. أتراه لاحظ الخداع أم استطعت أن أتفوق عليه وأكون أكثر دهاءاً من تلصّصه ومراقبته لي؟ هل نقص شغف التلصّص على جسدي؟ فهو منذ مدة لم يعُد يمارس لعبتنا المفضلة التي ابتكرناها سوياً التلصّص على بعضنا البعض.
«انتظرت منكِ جواباً آخر كلاماً مختلفاً اعتقدت أنّني حبيبكِ الأوحد، أنني العاشق الأكمل». تيم سيبدأ بتلاوة قصيدة كعادته حين يريد استرضائي أو لفت انتباهي، ولكن ردة فعلي بدت قاسية جداً، إذ قاطعت كلامه وذهبت للمطبخ لأحضر كوب ماء. هكذا يبدو ظاهر الأمر مجرد كوب ماء ولكن في قرارة نفسي كنت مستاءة من شعوري وتصرفاتي البلهاء وخداعي لإنسان بكلّ هذه الطيبة. حاولت الفرار من أمام عيني تيم. يبدو أن الانسان لا يحب الأمور المثالية، فهي تجلب الملل وتشعرك أنك في الجنة. حتى الجنة مملة لو هي كاملة ومثالية. ماذا تستطيع الملائكة أن تفعل لنا لتخرجنا من ملل المثالية حينها؟ لا أظنّ أن هناك إنساناً عاقلاً سيحب الأمور الكاملة. أتصور الآن أماً مثالية تتفهم طفلها؛ تطعمه في مواعيد، تخاطبه بهدوء، تلقنه آداب التصرف، تعاقبه وتثيبه ضمن قوانين علم النفس، تختار له المدرسة الأكمل والألعاب الأمثل، تبعد عنه رفاق السوء بحكمتها كي لا يخالفها الرأي. حينها كيف يخرج للعالم؟: متلصّصاً أو شقياً أو مشاغباً أو شاعراً ليكتب حزنه أو فيلسوفاً ليبدي امتعاضه أو روائياً ليكتب لنا عن آلام الطبقات الكادحة ومعاناة النساء من ظلم المجتمع ومغامرات عاطفية تثير فينا الألق والقلق معاً؟ لاااا أبداً. هذه المثالية هي الموت عينه للمشاعر والعواطف كلها. هي الملل نفسه للروح. عزيزي تيم، اكتشفت الآن أنني لا أحبك. ربما أحببتك لبعض الوقت. أيعقل أن يحب شخص حبيبه لبعض الوقت؟ كيف يكون ذلك؟ هذا مثال على عدم مثالية العشق. ما دار في عقلي لحظة ذهابي من غرفة الجلوس للمطبخ جدير أن يُكتب عنه مجلدات من الفلسفة النفسية التي أخترعتها في هذا الوقت القصير. كشربة الماء تأتيني الأفكار. حسناً سيكون هذا كتابي المقبل. لن أكتب رواية أو ديوان شعر. سأبدأ بالفلسفة النفسية لباطن المثالية. ربما سأغيّر العنوان لاحقاً ولكن هذا هو بحثي المقبل. وبحثي الذي يقطن في غرفة الجلوس ماذا أجيبه؟ كيف تكون خاتمة هذا البحث؟
ما زال تيم جالساً على الكنبة التي يحبها مطرقاً برأسه نحو الأرض يفكر ملياً. اقتربت منه ورفعت وجهه تجاهي. رأيت عينيه الخضراوين مغرورقتين بالدمع بدت الي كسهول القرية النائية التي يسكنها جدي وجدتي، حيث اصطحبتنا والدتي في الأعياد لنزورهما، ذلك هو الوقت الوحيد المسموح فيه لنا بزيارتهم. لم يكن سبب الممانعة والدي بل جدّي ـ أي والده ـ الذي لم يكن يستطيع مفارقة إخوتي الصبيان أكثر من يوم. «هاتان العينان قرية نائية وأنا مدينة الصخب والضجيج. لا تجعلني أستبيح قدسيتهما بتلوثي». مسحت الدمع من عينيه فأردف قائلاً «منذ أشهر لم تخاطبيني بهذه الطريقة لم تكتبي لي قصائد لم تعودي تقرئين لي قصائدي التي أكتبها لكِ». بدا تيم كطفل يستجدي ثدي أمه، حتى أفكاري باتت أمومية. كلّ التخيلات التي تجتاحني والأفكار التي تهبّ على عقلي مصدرها الأمومة. تباً لهذه الهورمونات التي تصيبني بالجنون.
«يبدو أنّه الحلّ الأفضل حبيبتي. سأوافقكِ الرأي. بهذه الطريقة لن أخسر المنحة ولن أضغط عليكِ بأمر الزواج». ظهر مستسلماً كمحارب خسر كلّ أسلحته في معركة لم يكن له فيها ناقة ولا جمل، مجبراً على القتال، راضخاً للهزيمة، مثالياً حتى في انهزامه. «هل أنتظركِ كثيراً»؟ سؤال لم أُجبه عنه حينها حتى أنني لم أنظر لعينيه لأنه سيكتشف أن الانتظار كثيراً سيكون مؤلماً. كيف تستطيع الهروب من تأنيب ضميرك؟ من خداعك لأكثر الناس طيبة؟ أن تستمرّ بالكذب طوال حياتك. هكذا ستعتاد الوضع وسيبدو لك الأمر طبيعياً وأكثر سهولة، ستبدو قديساً أمام الآخرين لأن الاحتيال المستمر المتقن هو الوجه الأجمل لموت الضمير من دون أن ينتابك وجع أو توبيخ لنفسك. هل كان لا بد لي من الاعترف لتيم بالحقيقة، ربما سيوافق على الأمر أو أنني حقاً فزعت من أن يقبل. هذا التيم كم هو مظلوم معي. كم أنا جائرة بإصدار المواقف بحقه. كم صرت أكره نفسي المخادعة الوضيعة. هذا تأثير الهورمونات لدى الحامل أن تكره نفسها وتلومها وينتابها القرف من كلّ ما تقوم به، أكلها وملبسها وتوترها الدائم. هأنا أدخل شهري الثالث ولم أعزم أمري بالإجهاض أو الزواج أو إخبار فرات. حسناً لدي متّسع من الوقت لأقرّر، هل الانتحار هو الحل الأمثل؟ لا، اتفقت مع نفسي أنّي أكره كل ما هو مثالي، لذلك سأستبعد هذه الفكرة حالياً.كم هي مضطربة الأنثى الحامل. الهذيان أكثر الأمور التي يجب أن يتوقعها الآخرون منها. حتى الخداع ربما سأتخلص منه حين أضع مولودي وسيغادرني تأنيب الضمير. حينها سأجد فرات لأخبره بأمر ابنه. وقتها سأكون أنهيت بحثي عن الفلسفة النفسية للمثالية لأسافر وأتزوج تيم وستكون فكرة الانتحار قد ولّت إلى غير رجعة. سأكون في وضع أكثر صلابة لأتخذ قرارات صائبة.
نهاية غير متوقعة
(أ تتوقع نهاية سعيدة أم تعيسة لي)؟ «يا لها من جملة غبية تنهين بها رواية بهذه القوة والمتانة والجمال. هل أصابك مسّ من الجنون»؟ بدا عارف غاضباً جداً، المرة الوحيدة التي أراه فيها بهذا الاستياء، هذا إن استثنينا حين علم بعشقي لفرات. ولكن هذه المرة لم يكن الغضب لأمر شخصي، بل لأمر يمسّ مصداقيتي كروائية. «أحياناً أراكِ كاتبة عظيمة. فيلسوفة تتفوقين على أكبر الروائيين حنكة ودهشة، وأحياناً أشاهد فيكِ رحيل المتلصّصة الشقية المختبئة خلف أحد الجدران المتصدعة في الحارة القديمة الآيلة للسقوط». أخذتُ لفافة التبغ من يده «تلك الشقية المتلصّصة هي مَن أخرجت الروائية. هذا الجنون والمجون والتعاسة هي التي صنعت رحيل غانم». أخذ اللفافة من يدي وهو ينهرني بشدّة «إياكِ والتدخين ارحمي جنينكِ».
ماذا أريد من رواياتي حين أكتبها؟ ماذا يريد كلّ روائي وكاتب وأديب من روايته وقصصه وأشعاره حين ينشرها؟ كلّ ما يهم الأدباء نشر أفكارهم ومبادئهم ومشاعرهم وخططهم لتغيّر الكون وتوثيق ما مروا به من تجارب شخصية وتأريخ السياسات والتاريخ والحروب والموت والسعادة. هراء،ما أريده نهايات مبهمة. ربما هذا بسبب تلصّصي طوال هذه السنين. هذا الأمر جعلني أعتمد «الخطة ب» طوال الوقت وأعتمد النهايات السوريالية فيما أكتب. دائما أريد أن أرى الآتي، المستقبل المقبل بطريقة لا يتصورها الآخر. حتى أنني لم أخطّط ماذا أفعل وقد تجاوزت شهري الخامس. خطر ببالي الآن أنّني سأرفض أمر طبيبتي إذا طلبت مني صورة صوتية للجنين، برغم أنني متخصّصة بالتلصّص إلاّ أنّني أرفض فكرة التلصّص على طفلي.
«والآن ماذا قررتِ؟ لم يبقَ الكثير من الوقت أمامكِ»؟ انتابني شعور أحسسني بالراحة بطريقة مخيفة جداً. أن هذا الحمل سيكون أبدياً، وأن هذه اللحظة سرمدية لذلك لست مضطرة لأجيب عن سؤال عارف التعيس، الذي يتقصّد جعلي تعيسة حين يذكرني بحتمية اتخاذ قرارات بشأن الجنين وفرات وتيم وأمور كثيرة أكره أن أفكر فيها. هل تصور أحدنا يوماً أن يهبه القدر لحظة أبدية لا يضطر فيها لاتخاذ أي قرار، يبقى هكذا هادئاً متزناً جالساً على كنبة كان يفضلها عشيق سابق مثالي ذو عينين خضراوين مثاليتين، وفي أحشائه طفل من الحبيب الأول لم يعلم أن له من صلبه ابناً قادماً، وأمامه أتعس صديق يلازمه كظلّه منذ الأزل ولديه أم في السماء تحقق حلمها بروائية كما تمنّت يوماً. هذه هي اللحظة التي تمنيت أن لا تنتهي أبداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى