ثقافية

مذكرات عامل مقهى

 

علي شاهين

في المقهى
شيءٌ ما
يبتز دمي، يضع حلقة مفاتيح
في سبابتِهِ ليخطّ دوائر في الهواء
واضعاً ساقه فوق الأخرى،
أنه لا يعرف عن عبور جدار
المعنى شيئاً
ولا يجيد ثقب الأسئلة المملوءة
بماء الصراحة ..
أنا في الأفواج وحيد
عرفت تواً
الصمت يحبني
لأنه حينذاك يثرثر معي ..
في المقهى
الم دمل يستولي على ممتلكات
تصبري
يمزق ثياب الروح بإتقانٍ فظيع ..
في المقهى
قهقهات مزرية
وأيدٍ مزركشة
تضرب قطع الدومينو بحرقة مُشمئزة ..
في المقهى
تعزف نايات الشكّ
بيدين بلا أصابع
لا أحد هنا.. لا أحد هناك
كلنا نتضور من فقدان الكلام..
من الخيبات العقيمة.. من خلوة الصراحة..
من اجتثاث الصبا،
وعندما أسكب الشاي لأيِّ مدمنٍ نزق
تصعد كفَة الطيش
ليدخن سيجارة اللا مبالاة
ويبدأ بالحديث عن المجازفات ..
آهٍ كم تمنيتُ أن أكونَ صديقاً لأحد ما !
لكني
أحتقرُ الأماكن التي تفتقر الضجيج
أحتقر الصمتَ المرتبك
أجوبُ الشوارعُ الداجية
لأتلمس وجهي
أينه حقاً؟
من أخفى ملامحي؟
هل يُعقلُ أنه تخبأ نكاية بي؟
لا صوت لي
من له أذن من بئر؟
أينكم؟
لماذا لا يكون الشوق وسادة؟
حتى أعبد اللا راحة
وأبدلها كل أغماضة كاذبة ..
اليوم تذكرت رعونتي هناك
كمنجلٍ ضحكت على نفسي
اليوم المقاعد مملوءة إلاي !
أينني؟!
ذهبت مراراً لم أكن هناك
آه كم تخدعني المرايا..
برك المياه.. ظلي الذي لا يتسخ
كم يخدعني الدخان
وهو يتمنى منع الضوء من الهرب أو الهروب
ماذا أقول لأصحابي هنا؟
الأمرُ مريبٌ حقاً
من يكنسني من قلبِه
ويرشّ بوابات العناق
بمغزى الرزق؟
متى أتخلص من ذاكرتي المتكدسة؟
اللعنةُ على ما مضى
غداً سأنهض من نومي القصير
أركض بقدمين عاريتين
بكل زاوية بها ضحكنا
غداً أتبضع أدوات للقاءٍ بعيد
وأخلق عناقات مقفلة
حتى نفاذ رئتي
غداً أصرخ من طرب
حتى تحمرّ وجوه المزامير
أو أذهب لكم ..
أرجوك
يا سائق الباص
سُّق على مهلِك
خذني لمدن نائية
تعجُّ بمن عرفت
وتهنا في طريق
مكتظٍ بالزغاريد
مزوقة بكحل الهناء ..
أما الآن لولا مخاطبة
نفسي في المرآة
لم أسمع صوتكم
ولا أغسل وجوهكم
أبقوا بعيدا بجانبي!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى