اراء

السؤال المقلوب

غالب قنديل
تتواصل عمليات التضليل والخداع الإعلامي في أربع جهات الأرض وفي كل قضية أو تناقض تحرص الإمبراطورية الأميركية على ترويج رواياتها الزائفة للتحكم بالرأي العام العالمي وهي تعتمد قنوات متعددة ووسائل متنوعة في التسويق والإثارة..
ومن أخطر النماذج الشائعة هذه الأيام التعامل الإعلامي مع كل من إيران وكوريا وسوريا بسيل الاتهامات الأميركية تحت عناوين السلاح النووي والصواريخ الباليستية والسلاح الكيمياوي أي وفق ما يسميه الأميركيون أسلحة الدمار الشامل.اولا: في ظاهر الأمور وقشرتها تحاول الولايات المتحدة تقديم نفسها صانعة وحارسة للسلم العالمي من شر الحروب التي هي أشد دول العالم تورطاً في إشعالها ولكنها في الواقع تستعمل تلك الشعارات لتنزع اظافر دول ساعية للدفاع عن استقلالها وهي غير متورطة كالولايات المتحدة في حروب عدوانية عابرة للحدود مباشرة أم بالوكالة كما هي الحرب الأميركية على سوريا والتي تقودها واشنطن والحكومات التابعة والشريكة بواسطة جيوش المرتزقة والإرهابيين من داعش والقاعدة.تسعى واشنطن بدأب شديد منذ انطلاق هذه الحرب العدوانية التي قادها جنرالات أميركيون مباشرة بمعونة فرنسية وبريطانية لاستخدام تقنيات تصنيع تهمة الكيمياوي لتعزيز فرص التدخل والابتزاز ضد الدولة الوطنية السورية التي تخوض حربا وطنية دفاعا عن استقلالها وللتخلص من وحوش التكفير الإرهابي متعددي الجنسيات وغاية هذا التصنيع الميداني والإعلامي الاحتفاظ بأوراق ابتزاز وضغط بعد هزائم القوات العميلة لواشنطن في الميدان.ثانيا: ظهرت في الولايات المتحدة مؤخراً مجموعة من المقالات والتحقيقات الصحافية التي اوردت تصريحات منقولة عن خبراء الوكالة الدولية للأسلحة الكيمياوية ومحققيها تجزم بان عصابات الإرهابيين استعملت الغازات في الغوطة وخان شيخون لتصنيع اتهام ضد الدولة السورية وقد ذكر الكاتب ستيفن ليندمان ان محققين من خبراء الوكالة الدولية أفادا بكذب الادعاء الاميركي عن إقلاع طائرات من قاعدة الشعيرات لتنفيذ قصف بالقنابل التي تحوي غازات سامة كما سبق لكتاب أميركيين ان كشفوا فضيحة تسليم الكيمياوي لإرهابيي القاعدة من قبل المخابرات التركية واختيار مسرح عمليات متداخل لتصنيع الاتهام وهذه الرواية وثقها سايمور هيرش والعديد من كتاب الصحافة التركية الذين عوقبوا بالسجن.ينبغي التذكير هنا ان وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد هو من أبرم في ثمانينيات القرن الماضي صفقة سلاح كيمياوي مع الرئيس المقبور صدام لاستخدام هذا السلاح الفتاك في الحرب على إيران التي دعمتها واشنطن ومولتها دول الخليج (الفارسي) بقيادة السعودية. وأهم ما في الأمر ان الولايات المتحدة تعد من اهم واخطر منتجي أسلحة الدمار في العالم.ثالثا: جميع التحقيقات حول مجازر الكيان الصهيوني منذ النكبة في فلسطين ولبنان وسوريا ومصر والتي استخدمت فيها قنابل محرمة كالنابالم والغازات السامة والقنابل العنقودية اوصلت المحققين الدوليين إلى عناوين المصانع الأميركية والبريطانية والفرنسية، وقد اطاح ذلك الملف بأمين عام الأمم المتحدة بطرس غالي الذي أرغم على الاستقالة بعد إدانة واشنطن كمصدر للقنابل التي نفذت بها طائرات صهيونية اميركية الصنع طبعا أغارت على معسكر للقوات الدولية احتمى فيه مواطنون لبنانيون بينهم شيوخ وأطفال حيث ارتكبت مجزرة قانا في نيسان عام 1996 .فكرة حظر الانتشار الكيمياوي والنووي المجردة هي فكرة مناسبة لسلم عالمي افتراضي لكنها تستعمل في خدمة الهيمنة الاستعمارية التي تتوخى إخضاع دول مستقلة تسعى لامتلاك قدرات دفاعية رادعة لقوة عالمية متغطرسة تجر الغرب خلفها وتمارس الابتزاز في كل مكان من العالم لبسط سيطرتها الاقتصادية والمالية ومنعها من التصدع نتيجة نشوء وانبثاق قوى اقتصادية جديدة.رابعا: لقد فرض على الولايات المتحدة ان تشارك الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية بفصول القتال ضد النازية وهذا ما مكّن موسكو من تشريع امتلاكها للسلاح النووي الرادع وحماها من العربدة الأميركية والغربية على قاعدة متكافئة بفعل توازن القوى في حين فرضت كل من الصين والهند بعد صراع مرير دام لعقود الاعتراف بحقوقها النووية وبعدما قوبلت الصين بالذات بعقوبات قاسية وقطيعة لئيمة قادتها واشنطن استطاعت تفكيك الحصار وظفرت بواسطة القنبلة النووية والهيدروجينية بمقعد دائم في مجلس الأمن وبالاعتراف الأميركي الذليل.يمكن بالقياس المنطقي اعتبار كوريا بمثابة الصين رقم 2 وسيفرض بالتحليل الأخير على واشنطن الاعتراف بها عضوا كامل العضوية في النادي النووي لأنها امتلكت قدرة الردع وهو ما يشكل حافزا لإيران ولغيرها من الدول المستقلة المهددة ما لم ترسم قواعد صارمة ضد الغطرسة الأميركية.خامسا: السؤال الذي يردده كتاب عرب يتلقون رسائل البريد الإلكتروني من واشنطن هو لم يريد الكوريون القنبلة بينما السؤال الصحيح هو لم يمنع على كوريا وإيران وسوريا وغيرها من الدول المستقلة عن الغرب ان تمتلك قليلا من القوة التي تمتلك منها الولايات المتحدة ودول الغرب والكيان الصهيوني ترسانة ضخمة وكيف يستساغ منطق النووي الحميد والنووي الشيطاني وبأي منطق فتصبح قنبلة الباكستان مثلا مقبولة طالما تنصاع حكومتها لإرادة واشنطن بينما يمنع على إيران مجرد امتلاك قوة دفاعية صاروخية بعيدة المدى برغم التزامها المشدد بسلمية نشاطها النووي وتفبرك بحقها اتهامات كثيرة وتطول الفبركة المنظمة سورية بعدما لاحت بشائر نهوضها من حرب عدوانية مدمرة قادتها الولايات المتحدة وشركاؤها وعملاؤها في المنطقة.
السؤال الذي تكرره بعض الصحف العربية والأجنبية هو السؤال المقلوب في عالم يسير على رأسه تقوده أقدام مشاة البحرية وجنرالاتها المتعطشون للدماء والحروب فالسؤال الصحيح لم تعط الولايات المتحدة حق تحديد المحظورات على غيرها وهي تسمح بها لنفسها ولا ترضخ لغير القوة القاهرة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى