شهر رمضان وفرصة عودة اللقاءات غير الرقمية

محمد علي جواد تقي..
اللقاءات والزيارات بين الأقارب والأصدقاء، أحد أبرز سمات شهر رمضان ببركة موائد الإفطار والأسحار، ثم الفسحة الثانية للقاءات بين المؤمنين تتم في أجواء دينية- روحانية في المساجد والجوامع في ليالي هذا الشهر الفضيل.
هذه السمة الرمضانية تتحدى بقوة الحالة الرقمية المهيمنة على أفراد المجتمع في تواصلهم فيما بينهم طوال أحد عشر شهراً، لكن ليس بالضرورة أن تتفوق عليها لأسباب سنأتي عليها في سياق هذا المقال.
ماذا نخسر من التواصل الاجتماعي الرقمي؟
يسود الاعتقاد بأن من فوائد الهاتف النقال، وما يحمله من إمكانية “التواصل الاجتماعي”؛ تقريب المسافات البعيدة، واختزال الوقت، مع استمرارية التواصل بين الاصدقاء والأقرباء في ظروف معيشية صعبة، وتعقيد مستمر في الحياة المهنية، فالجميع يشكو الالتزامات في مراكز العمل، مع وجود عمل مضاعف خلال اليوم الواحد، مما يجعل الاكتفاء بالبصمات الصوتية، أو الرسائل الالكترونية بديلاً مفروضاً وسهلاً في نفس الوقت للإبقاء على حرارة العلاقات الاجتماعية.
بيد أن العلماء والخبراء أكدوا عدم قدرة التواصل الإلكتروني على تحقيق الهدف المنشود، لما تحتاجه العلاقات الاجتماعية الى عوامل مؤثرة بشكل مباشر مثل؛ النظرات، والابتسامات، والإيحاءات، فضلاً عن الكلام المباشر المليء بالدفء، والصدق، والحنان، الذي إذا خرج من القلب يدخل الى القلب مباشرة، كما جاء في الحديث المأثور.
إن الفرق واضح وكبير بين أن استمع الى إطراء وثناء على عمل أديته من شخص يجلس أمامي –رغم عدم قناعتي الشخصية بالإطراء أساساً إنما على سبيل المثال-، او الاستماع الى ملاحظة على فكرة او قرار او أي شيء آخر، وبين أن أسمع كل هذا وغيره من شخص لا أرى منه سوى الكلمات على شاشة الهاتف النقال، او جهاز الحاسبة، حتى وإن كانت بصمة صوتية.
ربما يجد البعض في هذا الاختصار لإيصال فكرة معينة، او حتى تأدية التحية والسلام، خير وسيلة لتفادي الإحراج في أمر الزيارة لعدم توفر الوقت المناسب للطرفين، وربما لظروف اجتماعية معينة في ظل التعقيدات الموجودة، مما يدفع الكثير للتشبث بهذا الجهاز الصغير المحمول في الجيب لأن يؤدي ما يجب تأديته على صعيد العلاقات الاجتماعية.
وهذا يعني أننا نستسلم لموانع غير حقيقية تؤدي الى فتور وتراجع في التواصل الاجتماعي الحقيقي، مثلاً؛ عدم وجود الوقت الكافي يُعد من الاسباب المفتعلة وغير الحقيقية مع وجود ساعات تُحرق أمام شاشة التلفاز لمتابعة المسلسلات او مباريات كرة القدم، او حتى تصفح المواقع والصفحات على منصات التواصل الاجتماعي لما لا علاقة له بالمتصفح في كل الاحوال، إنما الفضول فقط.
نحن نقترب من أحداث ومواقف وحالات نتابعها من الهاتف النقال، من مختلف بقاع العالم، ومن مختلف الناس، وعن أحوالهم، وحتى التطورات الحاصلة في العالم، بيد أننا نخسر آخر التطورات في محيطنا الاجتماعي عما وصل اليه الوضع المهني والوظيفي لهذا القريب او ذاك، او آخر أخبار وضعه الصحي، او حتى الاستماع الى مشكلة يعيشها في حياته مع جاره، او مع صاحب العمل، او في أي مكان آخر، وما أكثرها، وعملية “الفضفضة” هذه بحد ذاتها الى جليس قريب، تعد نعمة وفرصة لطرد الهموم وتنفيس القلب والنفس.
ولنا أن نتصور عدم وجود هذا المتنفس بسبب تراجع عدد الزيارات واللقاءات المباشرة، كيف يكون الوضع النفسي لأفراد المجتمع؟
البداية من العائلة الصغيرة
هذه البداية توحي للقارئ أننا انسحبنا كثيراً الى الخلف في التثقيف على التواصل الاجتماعي الحقيقي، بيد أن الواقع المزري يفرض علينا طريقة تعامل تناسب المعطيات الموجودة على الأرض، لأن الهاتف النقال أصبح اليوم يهدد العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة في مساحة ربما لا تتجاوز المئة، او المائتي متر مربع، فكيف بنا ونحن نطمح الى توسيع دائرة العلاقات الاجتماعية الى آلاف او عشرات الآلاف من الامتار؟!
أجواء شهر رمضان، وما يضخ من الخير والبركة والاشعاعات الروحانية النافذة من شأنها إحداث تغيير في النفوس انطلاقاً من مائدة الإفطار الجميلة، هذا الاجتماع الجميل لأفراد الأسرة؛ الأب أو الجد، مع الابناء والاحفاد؛ البنين والبنات بمختلف الاعمار من شأنه التوسع لفترة ما بعد الافطار لفتح ملفات حديث عن الدراسة، او العمل، او العلاقات مع الاصدقاء والأقرباء، وحتى مناقشة الظواهر الموجودة لمعالجة السلبية منها، والتعلم والاعتبار من الايجابي منها.
صحيح أن هذا ليس من السهل في وقت بذل الهاتف النقال جلّ طاقته لجذب الانسان طوال أحد عشر شهراً، وهي فترة ليست بالقصيرة مقابل شهر واحد فقط، بيد أن مجرد المحاولة للتقليل من التفرّد بهذا الجهاز الصغير والانزواء بعيداً لمتابعة الالعاب او تصفح ما لا علاقة لنا به، كل هذا يُعد جهداً يستحق الثناء، في وقت تكون الحاجة الى الأخلاق والآداب أكثر إلحاحاً من ذي قبل، بسبب تفشي عادات في السلوك وطريقة الكلام وحتى التفكير نابعة من متابعة الالعاب والبرامج وما هو بعيد عن ثقافة الأسرة المسلمة ونظامها الاخلاقي والتربوي.



