ثقافية

المراقب العراقي تنشر رواية «المتلصّصة» للكاتبة اللبنانية زينب فياض

الحلقة التاسعة عشر

زينب محمود فياض كاتبة من لبنان. ولدت وعاشت في الكويت، ثم انتقلت إلى لبنان لتكمل تعليمها في دراسة الأدب العربي. تنقلت بين التعليم وإعداد وتقديم برامج الصغار التلفزيونية. كانت من المشاركين في تأسيس جمعية (حواس) الثقافية. أصدرت أول رواية لها (المتلصصة) والتي تنشرها (المراقب العراقي). لها كتاب حواري مع الفنان والاعلامي والاستاذ الجامعي عبد الحليم حمود اسمه (المطرقة)، ولها روايتان قيد الطبع.
كتبت زينب فياض هذه الرواية لتستفز العقل الراكد في مستنقع الخيبات. بدأ من عنوانها الذي أثار بعض الجدل والتحفظات حيث أن هذه الصفة قد تبدو للمجتمع سلبية ومحرضة للعقل ليتجه بتساؤلات مستنكرة. كيف لمتلصصة أن تجهر أمام الجميع بهذا الفعل المثير للريبة.تيم أسرف في حبّه لي بطريقة جعلتني أرتاب منه أحياناً. فأنا ما زلت أعشق فرات. كيف للقلب أن يحتوي عشيقين؟ على الرغم من أنّني لاحظت ارتياح فرات الذي بدا واضحاً وجلياً في عينيه حين تلصّصت عليهما باحثة عن أمر يشجعني على أن أستمر بعلاقتي معه. هذه السكينة البادية عليه أوحت لي أنّه اختار طريقاً آخر فهو أوصلني حيث يجب أن أكون روائية ناجحة مشهورة في محيطها. لا أعرف لماذا انتابني شعور بالبنوّة تجاهه وأنّه يتعمد أن يُشعرني بذلك الآن، على الرغم من كونه عاشقاً مثالياً. وددت لو حملت بطفله ليس رغبةً في أن أكون أمّاً، فهذا لا يعنيني، ولكن لأرد له الجميل وأجعله أباً. ليتني استطعت أن أقدم القليل مما قدمه لي فرات ملاكي الحارس.
تيم الشاب الصيدلي الجميل الوسيم ميسور الحال يملك عمله الخاص، لديه ما يكفي من المواصفات ليكون حبيباً لأي فتاة. عيناه الخضراوان، وجهه الطفولي، بنيته القوية، فهو لاعب كرة سلة في أوقات فراغه، يصطحبني معه دوماً لأشجعه، يلعب بمهارة توازي مهارة تلصّصه عليّ حين أكون على المدرجات أهتف له بحماس. ثقافته الراقية تقربني منه بشدّة. عاشق للقصائد والأشعار والروايات. غالباً ما يهديني دواوين الشعر والكتب. حتى عارف أحبّ تيم وتقرّب منه. بدا مثالياً.هذا ما أخافني جداً ارتبت من هذا الحب فأنا لم أتعود المثالية طوال حياتي. أنا الفتاة المتوسطة الجمال المقطوعة من شجرة، لا نسب يليق به ولا عائلة لديّ ولا أملك أمراً مميّزاً بالنسبة لشاب كتيم.
أجمل ما كنا نقوم به هو التلصّص على نفسينا، اعتدنا ممارسة هذه اللعبة الطريفة طوال الوقت من دون أن نشعر بالملل. حين تكتشف الحبيب يتحوّل الاكتشاف حباً مضاعفاً وألقاً متجدّداً. أتلصّص على فمه حيناً وعلى عينيه أحياناً. حين يقوم بمضغ الطعام أستطيع أن أتكهّن بطعم ما يأكله من تقاسيم فمه و وجنتيه وحاجبيه. للملوحة تعبير خاص وللحلاوة تفاصيل تظهر جليّة على تجاعيد جبهته «هذه القطعة من البيتزا مالحة جداً» أباغته بهذه الجملة بينما يكون مسترسلاً بمضغ اللقمة فيندهش «أيتها المتلصّصة» تنتابنا موجة من الضحك. «أعجبكِ ما كتبه صديق ما» يوجّه لي هذه الملاحظة بينما أكون غارقة بالرد على منشورات أحدهم في مواقع التواصل الافتراضية. أنظر باستغراب له وهو الجالس أمامي يتلصّص على تعابير وجهي مستلقياً على كنبته التي يعشقها حين يزورني «هذه الأريكة مسجلة باسمي، أعشق مساحتها الضيقة فهي تحتويني تماماً مثلكِ بحنان وعطف». تلصّص كلانا على الآخر أمرممتع ومسلٍّ جداً، يتفاخر كلانا بموهبته أمام الآخر. كلّ هذا لم يقلّل من ارتيابي وخوفي وقلقي من هذه العلاقة المثالية.كأن المتلصّص يرتقي من مستوى التلصّص لمستوى أكثر دقة: الشك في ما حوله، ماذا يريد تيم منّي؟ علاقة عابرة جميلة أم أنّه سيعرض عليّ الزواج؟ متأرجحة بين الشك والحب، بين الشوق والريبة؟لماذا نُصاب بلعنة الخوف حين نعشق ونعيش لحظات الحب المثالي؟
بين الفينة والأخرى كنت أذهب لأتفقد فرات الذي بات مشغولاً عني جداً بأعماله الأدبية وعشيقاته والتدريس. ولكن حين يراني أشعر أنّه طفلي الصغير يحضنني بحنانه المعتاد. وغالباً ما أفتعل المشاكل والمشاغبات «أصبحت بعيداً عني، أسعدك ارتباطي بتيم. هذا يجعلك براحة أكبر مع العشيقات». أنفعل بصورة هستيرية أنزع ذراعه عني بقوة وقسوة. ينظر لي بلطفٍ يمتص غضبي بكلمات ليهدئ روعي. «ألم يعتركِ الملل من تعداد هفواتي»؟ ينتظر مني أن أستسلم كآخر مقاتل في حرب طروادة، كآخر غريق في طوفان نوح. «لا بد لي أن أضجر وألوذ بالهرب أو أدعو عليك بالجنون مثلي، ولكن يا هذا ليتك تعلم أن ما ابتليت به لا يُشفى منه إلّا كلّ عاقل حكيم أما أنا فقد أصبحت من ذوات العشق المتين وهذا لا شفاء منه». سألني مستفسراً عن تيم ليغيّر الموضوع أو ليتأكد من أنّي سعيدة، وأن هناك من يعوّض عنه في غيابه. «لا أعلم كيف أنا سعيدة معه، وأحبّك في الوقت نفسه». تبسّم وقال «يحدث أحياناً ذلك، هل شعرتِ نوعاً ما بما كنت أقوله لكِ حينما كنتِ تحاسبينني وتهذين بعلاقاتي مع غيركِ»؟ وضعت وجهه بين يدي ونظرت إلى عينيه بقسوة «سأبتعد عنك نهائياً، ولكن لي شرط»! لم تكن بيده حيلة إلاّ أن يُلبي شرطي ومطلبي «ما زلت زوجتك لم تتعدَّ علاقتي هذه الأشهر الخمسة التي مرّت مع تيم أي أمر غير الكلام والرفقة وبعض المشاوير والكثير من الرسائل النصيّة المملوءة حباً وغراماً وشوقاً. هو لم يعلم بعلاقتي بك، لذلك قبل أن ننفصل أطلب منك آخر ليلة أن تودّعني فيها كزوجة لك».منذ تلك الليلة لم أرَ فرات. هو أبحر في عالمه بعد أن أهداني شطآن الأمان وموانئ الشهرة. قال لي تلك الليلة «رحيل غانم، حلمي الذي حققته، أخرجتكِ من قوقعتكِ لأني آمنت بكِ. أنتِ لؤلؤتي المذهلة. كوني الروائية التي عشقتني يوماً فكانت مدهشتي».الأمر الذي لم يعرفه فرات بعد شهر من انفصالنا أنني حملت منه بلؤلؤة نادرة في أحشائي. كيف أخبر تيم؟ هذا هو السؤال الذي أفضيتُ به لعارف، حينما جلس أحدنا أمام الآخر على طاولة في مقهى بحري ننظر أحدنا للآخر بذهول. لا هو أجابني ولا أن اولدي المقدرة لأفكر بخطة أ أو ب. حتى هذه المرة فشلت نظريتي باعتماد «الخطة ب». حاولت مشاركة هادي بالأمر، ولكنه بدأ يستعدّ للهجرة خارج الوطن فلم أشأ أن أعكر صفو باله وأشغله بأمر هو بالغنى عن معرفته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى