اراء

العقوبات الأمريكية وجغرافية الرد الروسي

1552

مسلم عباس
تدور العلاقات الروسية الامريكية في مساحة واسعة من التوتر، وحلقة صغيرة من التعاون الذي يرافقه شك في النوايا بين الطرفين.. يعيش الجانب الروسي مرحلة استعادة الامجاد الامبراطورية القيصرية بأحلام بوتينية تحديثية، يقابلها رغبة امريكية في وضع العراقيل أمام مساعي القوى الصاعدة لتحطيم نظام القطب الواحد.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقع الثلاثاء 1آب، قانون فرض العقوبات الجديدة ضد روسيا، الذي أقره مجلس الشيوخ يوم الخميس 27 تموز، بأغلبية ساحقة والذي يوسع بموجبه العقوبات ضد روسيا وإيران وكوريا الشمالية، بعد أن تبناه مجلس النواب في وقت سابق. العقوبات الامريكية الجديدة رافقتها موجة من التصريحات المتبادلة بين الروس ونظرائهم الامريكان، كلها تدور في سياق الاتهام والاتهام المتبادل حول اسبقية (الاعتداء)، وأحقية الرد، فالولايات المتحدة الامريكية تنظر لروسيا بوصفها تدخلت بشؤونها الداخلية في الانتخابات الاخيرة، وأسهمت في صعود دونالد ترامب الذي يتودد للرئيس فلاديمير بوتين، وفي الجانب الاخر ينفي الروس ما يقولون ان امريكا عجزت عن اثباته (التدخل في الانتخابات)، ويتهمون الاخيرة بمحاولة فرض هيمنتها على العالم عن طريق هذه الاجراءات «التعسفية». وبعيدا عن سطحية التصريحات التي لا تتعدى الاستهلاك الاعلامي؛ فالعقوبات الامريكية لها اسبابها الحقيقية والتي تأتي في سياق التغيرات التي طرأت على الوضع السياسي الداخلي الامريكي وتبعاته على العلاقات الدولية لأصدقاء واشنطن وحلفائها على حد سواء ويمكن حصر اسباب العقوبات الاخيرة في الاتي:-
اولا: صراع السلطات داخل الولايات المتحدة، فمنذ صعود دونالد ترامب الى منصب الرئاسة تولد قراراته مشكلات وردود افعال متباينة حول الدور المستقبلي للولايات المتحدة في العالم، فقد اخل بالعلاقات الودية مع الحلفاء في الناتو وأزعج الاتحاد الاوربي، وأهانهم بدعواته لهم بدفع الاموال مقابل الحماية، فيما ابتز اليابان وكوريا الجنوبية في اكثر من مناسبة، هذا فضلا عن اجراءاته ضد المسلمين بمراسيم الهجرة الثلاثة. كل هذه اسباب حملت السلطات التشريعية الامريكية لتدارك الامر وتقليص سلطات الرئيس وربما محاولة «تأديبه» كونه خرج عن السلوك السياسي التقليدي.
ادارة ترامب تلاحقها المشكلات بشكل يومي والتخبط يكاد هو الوصف مناسب لها فبعد عشرة أيام فقط من تعيينه، أقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الاثنين الماضي مسؤول التواصل في البيت الأبيض، أنطوني سكاراموتشي، ليكون الرجل التاسع من رجال ترامب الذي تتم إقالته في نحو ستة أشهر فقط من تولِّي ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.
ثانيا: احتواء الدور الروسي وضمان عدم تجاوزه الخطوط الحمر باستغلاله تودد ترامب للرئيس بوتين، ففي الوقت الذي تحاول امريكا محاصرة الروس في عقر دارهم تجدهم يتحكمون في اهم مناطق الصراع وأكثرها تعقيدا، انها منطقة الشرق الاوسط وتحديدا في سوريا، حيث ينظر لها كمفتاح لتحقيق طموحات الدول الكبرى، واستفاد الروس من توتر العلاقات داخل دول الناتو فحولوا بوصلة الاتراك (اكبر قوة عسكرية في الناتو بعد الولايات المتحدة) الى جانبهم على الاقل في المرحلة الراهنة، ووصل التعاون بينهم الى حد عقد صفقات الاسلحة وآخرها منظومة الدفاع الجوي المتطورة «اس ٤٠٠».
ثالثا: اسباب اقتصادية من اجل احتواء الاقتصادات الاوربية التي تزاحم الاقتصاد الامريكي بشكل جدي، وتحديدا ضد الاقتصاد الالماني من اجل تحويل سوق الخام من روسيا باتجاه امريكا، والاعتراض الالماني كان واضحا على لسان وزير الخارجية زيغار غابرييل الذي ابدى تحفظه على العقوبات المشددة، التي أقرها الكونغرس الأمريكي ضد روسيا، ووصفها بأنها «مخالفة للقانون»، واتهم الولايات المتحدة بأنها تخلط بين المصالح السياسية والاقتصادية، محذرا من أن هذه العقوبات من شأنها أن تطرد الغاز الروسي من السوق الأوروبية ليفسح المكان للغاز الأمريكي، وهذا تعامل غير مناسب مطلقا.وزيرة الاقتصاد الألمانية بريغيته تسيبريس توافق وزير خارجية بلادها بان العقوبات الأمريكية الجديدة ضد روسيا، تضر بشركات أوروبية، وتتعارض مع القانون الدولي، داعية إلى تقديم إجراءات جوابية أوروبية. وقالت تسيبريس في تصريحات صحفية نشرت الاثنين: «إنه أمر مفهوم وبسيط – نعد تلك العقوبات منافية للقانون الدولي»، وتابعت قائلة: «طبعا، لا نريد حربا تجارية، لكنه من المهم أن تدرس المفوضية الأوروبية اتخاذ إجراءات للرد».
السلطات التشريعية الامريكية برغم تخوفها من السلوك السياسي لدونالد ترامب إلا انها تريد تحقيق مكاسب جديدة على حساب الدول الاخرى سواء ضد اعدائها التقليديين أو حتى مضايقة أهم حلفائها مثل المانيا والاتحاد الاوربي عموما، فترامب يحقق للأمريكيين فرصة تبرئهم من قراراته التي يدعون انها لا تمثلهم، وفي المقابل يقومون بالتضييق على الدول الاخرى بحجة مواجهة الدور التخريبي لهذا الرئيس عديم الخبرة. روسيا المتضرر الاول من هذه الاستراتيجية الملتوية لا يمكن ان تقف مكتوفة الايدي امام محاولات تحجيم دورها العالمي الصاعد، ويمكنها الرد في اكثر من طريقة وأكثر من مكان بعد توسع جغرافية نفوذها اوروبيا وشرق اوسطيا، فالخيارات المتاحة امامها الان هي زيادة الدعم للانفصاليين في اوكرانيا، او توسيع نطاق العمليات في سوريا وإطلاق يد ايران وحزب الله قرب القواعد الامريكية في سوريا، لكن التكلفة العسكرية والسياسية لهذين الخيارين قد تكون باهظة جدا وغير محتملة، وهو ما يعني استبعاد هذين الخيارين. اما الخيار الثالث فهو استمرار العلاقة مع دونالد ترامب تحديدا بما يمثله هذا التصرف من اهانة لمنظومة الحكم الامريكية وإظهارها بدور المنقسم على نفسه، وبالفعل فان استمرار مغازلة الرئيس ترامب من قبل الروس يكفي لإزعاج نظرائهم الامريكيين ووضعهم في موقف الضعف، لهذا اختارت موسكو الرد الاقل حدة وطلبت من واشنطن تقليص عدد الدبلوماسيين الأمريكيين على الأراضي الروسية إلى 455 شخصا، بحيث يصبح مماثلا لعدد الدبلوماسيين الروس العاملين على الأراضي الأمريكية. الروس ادركوا الان صعوبة الغاء العقوبات الامريكية من قبل الرئيس ترامب بعدما انفلتت الامور لصالح السلطات التشريعية الاكثر تشددا ضد موسكو، لكنهم في المقابل لا يملكون الكثير من الخيارات في ظل رغبتهم الجامحة بإنهاء الحرب في سوريا بأقرب وقت، ما يعني ضرورة عدم ازعاج الولايات المتحدة الامريكية في هذه المدة لحاجتهم الماسة لها في العملية التفاوضية، كما ان الاقتصاد الروسي لا يتحمل الكثير من العقوبات في حال اتخاذ مواقف متشددة، كما ان الروس يعتقدون بان الرفض الاوربي للعقوبات الجديدة يكفيهم مؤونة الرد، وفي ظل هذه الاوضاع يبدو ان العلاقات بين البلدين قد تزداد توترا لكن يبقى الروس اكثر رغبة في ابقاء قنوات الاتصال وتهدئة الوضع بين الجانبين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى