قراءة في معركة الرمق الأخير لداعش في أيمن الموصل


د. محمد الجزائري
الجزء الاول
في 10 حزيرن 2014 حدث أمر جلل وظهر واقع مرير ألا وهو استيلاء التنظيم الارهابي لما يسمى بالدولة الاسلامية في العراق والشام المعروفة بداعش على محافظة نينوى وتقدم التنظيم الارهابي باتجاه المدن المهمة في المنطقة الغربية من العراق وتوالت الانباء غير السارة والتي أرقت العراقيين والعالم ايضا فقد استطاع داعش الاستيلاء على ما قيمته ثلاثة مليارات من الاعتدة العسكرية بالاضافة الى أسلحة مهمة كان من بينها دبابات ومدرعات ومدفعية مورتر (مدافع الهاون) علاوة على ذلك فقد العراق ما لا يقل عن اربعة فرق عسكرية معتدة بنفسها وهي صفوة القوات المسلحة العراقية,ووصولا الى يوم 12 حزيران اي بعد يومين على كارثة الموصل كان الوضع صعبا جدا وهو كالتالي استيلاء داعش على تكريت وتقدمه في ديالى والحويجة واستيلائه على معظم المدن المهمة في الانبار وبدء خلاياه النائمة في ابو غريب والمحمودية وجرف الصخر بالتحرك ومهاجمة القوات الامنية ولم يكن لدى القيادة العراقية في بغداد إلا عدد قليل من الخيارات وعدد قليل من القوات وكمية محدودة من الاعتدة علاوة على ذلك استيلاء العدو على اكثر من 40% من البلد وبالتالي كان الوضع قاتما بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ.
الاستراتيجية العسكرية العراقية وأحداث حزيران 2014
لمدة طويلة وبعد استيلاء داعش على الموصل والمدن المهمة الاخرى في غرب العراق ، كانت نظرية المؤامرة هي التفسير المنطقي الوحيد للانهيارات الامنية , كما اضيفت اليها كذلك شائعات اخرى من ضمنها خيانات أو تعاون مع العدو ولا مجال هنا لمناقشة صحة ذلك من عدمه , ولكننا هنا نحاول ان نقرأ ونحدد مواطن الخلل والعلاجات الناجعة لما ألم بالإستراتيجية العسكرية العراقية, لكن ما حقيقة ما حدث ولماذا حدث ذلك وللاجابة عن ذلك علميا يجب ان نحدد مسارات وسلبيات الاستراتيجية العسكرية وما جابهته من مشاكل والتي من أهمها:-
أولا- الاستراتيجية العسكرية العراقية كانت تقليدية ولم تستطع مجابهة ما يسمى بــ(حرب اللا تماثل) أو الجيل الرابع للحروب والتي استخدمها داعش, يعرفها أوستن لونج في كتاب (الحروب المستقبلية في القرن الحادي والعشرين) لمجموعة من الباحثين بانها (حرب تحددها التباينات الكبيرة بين المقاتلين في القوة العسكرية الكلية وفي طريقة تنظيم القوة العسكرية وتوظيفها على حد سواء) أما أهم خصائص هذا الجيل الرابع من الحروب فهي:
1- حفظ السلاح وفعل السلاح هنا خارج حساب أي منطق أو تصور يمكن توقعه. مع ان الحشد وسرعة الحركة والمفاجأة أساليب مطلوبة في كل انواع الحروب, إلا انها في حالة الحرب اللامتماثلة مطلوبة أكثر لأنها لازمة مدرسة التفكير فيما لا يمكن التفكير فيه مما لا يحكمه قيد أو احد بمعنى الاتيان بكل ما هو غير متوقع في تلك الحرب .
2- هذا النوع من الحرب ليس مقيداً بمذاهب مصنفة بالحرب,انما هو يلتقط الرسائل التي يفكر بها بمصادفات الظروف,لكنه عندما يقابلها بالمصادفة يدرسها بعناية ما يجعل التنبؤ المسبق بأعمالها مهمة شاقة وعسيرة.
3- هذا النوع من الحروب جاهز بطبيعته لأعلى درجات المخاطرة والمجازفة,لأن الخسائر بالنسبة اليه في الحالتين واحدة,ومن ثم فان أعلى المخاطر تتساوى عنده مع اقلها. لذلك فان استعداده لأقصى المخاطر يجعل ما لا يجوز التفكير فيه واردا,كما يجعله ممكنا حتى ولو كان في المقاييس الطبيعية من المستحيلات.
4- هذا النوع من الحروب يمارس دوره بخلط مزيج قوي المفعول بين ما هو مادي وما هو نفسي وذلك أكثر ما يخدمه في الاساليب اللا متماثلة التي يستعملها.
5- تقتضي هذه الحرب ارادة قوية وتنظيما جيدا وصبرا يراقب على مهل,لانه ليس رد فعل يتحتم عليه ان يواجه فعلا,حيث يتوقع الطرف الاخر ان يجي زمانا ومكانا.
ثانيا – التلكؤ الامريكي الواضح في تسليم صفقات السلاح التي سدد الجانب العراقي اثمانها بالكامل وبالتالي فان جل الاسلحة والاعتدة العسكرية التي كانت لدى الجيش العراقي لم تكن مهيأة للتصدي للعدو الداعشي.
ثالثا- حالة الاجهاد التام للقوات المسلحة العراقية سواء في فترة الانتخابات النيابية أو التي كانت قبلها وبعدها من خلال ما كانت تلك القوات تخوضه من معارك شرسة ولأشهر طوال ضد مجموعة كبيرة من التنظيمات الارهابية في بغداد والانبار والموصل وتكريت وديالى والحويجة لقد اثر ذلك الاستنزاف المستمر للقوات الامنية بشكل سلبي على اداء ورد تلك القوات على تحرك ارهابيي داعش في الموصل .
رابعا – ضعف التدريب وانهيار الضبط العسكري الذي يعد العمود الفقري الذي تستند عليه حركة القوات المسلحة في كل دول العالم ,بينما يمتلك العدو ضبطا حديديا يؤسسه الفكر المتطرف والذي يدعو الى الطاعة العمياء والالتزام بالأمر مهما كلف ذلك, أما ما يخص التدريب فان التنظيم الارهابي وقبل الاستيلاء على الموصل كان قد قضى اربع سنوات في التدريب على افضل الاسلحة وفي قلب صحراء المنطقة الغربية.
خامسا- الاستراتيجية العسكرية العراقية غير مهيأة لكي تجابه قوة ارهابية بهذا العدد الكبير والتي تتخذ من المدنيين درعا واقيا لهم وبالتالي فلم تستطع القوات الامنية الوطنية استخدام سد ناري جارف للكل أمام المدني والإرهابي كون انها اي القوات الامنية كانت تنظر بمنظارها انها دولة الموطن وليس حكومة النظام التي كما كان الوضع قبل نيسان 2003 اي في فترة النظام البعثي المقبور وبالتالي كانت معضلة استراتيجية جابهت الموسسة العسكرية العراقية.



