الخبر الأول .. دكتاتورية الزعماء في نشرات الأخبار
مسلم عباس
في عالم الصحافة والإعلام يمكن للحدث ان يصبح خبراً اذا توافرت فيه مجموعة من معايير النشر (بعضها أو جميعها)، وكلما اجتمعت هذه المعايير في حدث واحد كلما ازدادت فرصة للبث أو النشر، وأهم هذه المعايير هي قرب الحدث من الجمهور جغرافيا ورمزيا، وضخامته وجدته فضلا عن الجوانب الإنسانية ومعايير أخرى قد تزيد أو تقل حسب تصنيفات الباحثين والصحفيين.
وفي الفضائيات التلفزيونية العالمية يتم انتقاء الاخبار على وفق محددات صارمة (برغم ان ذلك لا ينفي تهمة الخروج عن هذه المعايير لبعض الفضائيات، حيث تسقط في حفرة الاعلام الدعائي) أما الخبر الأول في نشرات الاخبار فله قدسية خاصة لدى الكثير من الفضائيات بوصفه يمثل هوية القناة والتزامها إزاء جمهورها، فيتم انتقاؤه من بين مئات الاحداث العالمية ليتصدر المشهد الإعلامي لليوم، وفي بعض الأحيان تكون أغلب الأخبار التي تلحقه تفرعا منه ورافدا يصب في تعزيز الفهم لدى الجمهور وتغطية ذلك الحدث بأقصى قدرة ممكنة. وقد يتحول حدث معين الى تغطية كاملة طوال يوم او عدة أيام كما هو الحال في الملتقيات الكبرى لزعماء العالم، مثل قمة العشرين أو قمة الدول السبع أو حتى اجتماعات دول الناتو والمحادثات التي تجري لمناقشة الازمات سواء في الشرق الأوسط أو أية بقعة من دول العالم.
هذه قد تكون معايير ثابتة في تغطية الحدث واعطائه قيمة إعلامية يفهم عن طريقها الجمهور حدث اليوم لمجرد التعرف على الخبر الأول، وما يتبعه من اخبار لاحقة، أما في الفضائيات العربية فان لها معايير مختلفة في تحديد الخبر الأول في نشرات الاخبار، فالطابع السياسي هو المعيار ورئيس الحزب هو الخبر الأول من دون أي جدال أو محاولة للنقاش العلمي، وبالكاد لا تخلو نشرة إخبارية عراقية أو عربية في خبرها الأول من شيء يتعلق بزعيم الحزب الذي يملك القناة بغض الطرف عن أهمية هذا الزعيم للجمهور وتأثيره على الحياة العامة، أما في الفضائيات الرسمية فنشرات الاخبار محجوزة مسبقا لرئيس الدولة و وزرائه. وحتى في بعض المناسبات الكبرى والاحداث التي تطغى على الساحة الاجتماعية يبقى زعيم الدولة أو الحزب في المقدمة، ليسحب هذا التقدم المفروض على الجمهور الفضائية التلفزيونية الى قاع الترتيب في قوائم التفضيل على الريمونت كونترول.
وتعد سطوة الزعماء السياسيين (عديمي الفائدة إعلاميا) من المشكلات التي تهدد منذ زمن بعيد العمل الإعلامي في الدول النامية عموما والعربية على وجه التحديد حيث أدت الى عدم قدرة الفضائيات التلفزيونية بالدخول الى ميدان التنافس الاعلامي، وهذه الظاهرة جزء من ترسبات الأنظمة الدكتاتورية، بل هي تقليد سياسي يوحي بدكتاتورية الأحزاب السياسية القائمة. ان سيطرة زعيم الدولة أو الحزب على نشرات الاخبار تعطي نتائج سلبية على الفضائية التي يملكها وعلى الحزب نفسه وكالاتي:
اولا: بالنسبة للمؤسسة الاعلامية التي تعد لسان حال الزعيم تتشكل الصورة طبقاً لطريقة عرض الأحداث والصراعات السياسية والمجتمعية، وهي وليدة سنوات من تغطية المواقف والأحداث، واذا ما كان زعيم الحزب مرادفاً لنشرة الاخبار كانت الصورة السلبية مرادفة للقناة الفضائية التي تتعبد باسمه يوميا، وعمليا تعني خروجها من فضاء التنافس الاعلامي وفقدان موجبات وجودها أصلا.
ثانيا: من جانب آخر ، تعكس طريقة بث الخطاب الاعلامي اسلوب الحزب بالحكم وسلوكه السياسي حتى وان حاول القول عكس هذا الواقع، والحزب الذي تحترم مؤسساته الاعلامية معايير المهنة الاعلامي التي توازي القوانين، ولا يسمح للاخرين بتبوء منصب الخبر الاول في نشرة الاخبار لا يمكن الوثوق به كممثل للشعب لدى الحكومة، اذ كيف يمكن الوثوق بهذه الزعامات لتأسيس وحماية أنظمة ديمقراطية اذا لم تكن تطبق مبادئ الديمقراطية وحرية العمل الإعلامي.
ثالثا: اما فيما يخص الصحفيين فان روتينية العمل تجعلهم يعيدون انتاج نفس الاخبار يوميا ونفس الشخصيات وربما حتى نفس الكلمات، من اجل تجنب التوبيخ الذي يقوم به اعضاء الحزب في حال مخالفة التعليمات، وقد تحدث لي شخصيا بعض الصحفيين عن قيامهم باعادة نشر تقارير لاكثر من مرة لتجنب المساءلة التي قد يتعرضون لها في حال نشرهم خطابا جديدا لم تتم الموافقة عليه، اما الصحفيون غير المحترفين فان هذه البيئة غير الخاضعة للمعيارية توفر لهم فرصة القفز نحو النجومية الوهمية.
الفضائيات العربية لا تزال في مرحلة المراهقة والتخبط الاعلامي، وسيطرة التقاليد الحزبية على حساب المعايير المهنية يسهم في تراجع وظيفة المؤسسات الاعلامية العربية في التنشئة السياسية والمجتمعية، وهذه الظروف تسمح بتسلل الاعلام الفضائي الغربي ليروي عطش المواطن العربي الطامح للحصول على ما يرغب فيه وليس ما يفرض عليه، لان زمن الدكتاتوريات قد سحقته العولمة والانفتاح المعلوماتي، والمشاهد العربي مثل أرض بوار مهيأة لمن يجيد نثر بذور الأفكار بطريقة ناعمة.
يقول متخصصو الاعلام انه في زمن توافر البدائل لدى المشاهد يصبح هامش المناورة ضيقا لدى المؤسسات الاعلامية، فالمادة المعلوماتية تقوم على العرض والطلب وليس الفرض على المشاهد كما تتصور الأحزاب العربية المهيمنة على ميدان العمل الاعلامي، وهنا يجدر بنا مراجعة أساليب الممارسة الاعلامية وفتح باب الحريات أمام الصحفيين ليقودوا ركب الأفكار بما يتناسب ومتطلبات المرحلة الراهنة.
لا يخفى على المتخصص ان اختيار السياسة الإعلامية هي شأن سياسي بامتياز، وهي ترجمة لمتبنيات الحزب تضع خطوطاً عامة للتحرك صحفياً ، وفي هذه السياسة تترك مساحة كبيرة للمتخصصين ليقوموا بأدوارهم لتنفيذ ما يتلاءم وتحقيق الأهداف المرسومة، لكن القيادات السياسية العربية ترى في حرية التحرك للصحفيين بوصفها منتجا غربيا يجب تحطيم أسواره بقبضة من حديد تضمن تنفيذ أوامر القائد من دون اعتراض أو اقتراح مهني.
الحزب الذي لا يملك معادلا فكريا واقيا يخاطب به الشارع المتعطش للافكار الجديدة، يستخدم الزعيم كبرنامج سياسي لعله ينتشله من حتمية السقوط، لكن الفضائية العربية التي يتزاحم الزعماء عبر شاشاتها تعجل لنفسها والحزب المالك لها في ركوب سكة موتها الابدي، لاننا في زمن العرض وليس الفرض، والبدائل الاخرى للجمهور تعطيه مساحة لسحق ما لا يتوافق مع متطلبات العصر.



