العصا الأميركية والرهبة السعودية


محمود الهاشمي
تعتمد الولايات المتحدة في الإعداد الى استراتيجياتها سواء في الشأن السياسي أو الاقتصادي أو الشؤون الاخرى على المراكز العلمية والمعاهد والجامعات بالإضافة الى العدد الهائل من المستشارين وأصحاب الرأي، وان مجيء ترامب جاء في وقت محدد لإستراتيجية أميركية مقبلة تتضمن مواجهة التحديات الآتية:-
١-دول المحيط الهادي التي تتصدرها الصين ودوّل جنوب شرق اسيا والتي بدأت معدلات النمو فيها تزداد باطراد بسبب التطور الصناعي والسيطرة على الاسواق العالمية ورفع الميزانية العسكرية .
٢-ازدياد عدد المهاجرين والخشية انهم سيكون لهم القرار الفصل في نتائج الانتخابات للسنوات العشرين المقبلة .
٣-مواجهة ارتفاع معدلات الأعمار بسبب الرعاية الصحية يقابلها انخفاض في معدلات الولادات الجديدة .
٤-توقف معدلات النمو الاقتصادي بسبب انخفاض الانتاج .
٥- زيادة الإنفاق العسكري بسبب وجود القوات الأميركية في مناطق مختلفة من العالم وخوضها الحروب في أفغانستان وغيرها من دول العالم .
وهناك تحديات عديدة فرضت ان تعد استراتيجيتها الجديدة بمواجهة هذه التحديات ،وواحدة من أولويات بنودها شعار (المال مقابل الحماية) وهذا الشعار الأخير فرض عليها ان تبحث عن مناطق لتطبيقه فوقع الخيار على السعودية وللأسباب الآتية:-
١- الادارة السعودية هي المنطقة الأكثر هشاشة بين دول العالم ،فقد حكمت البلد منذ عام ١٧٤٥م وحتى الان دون ان تغير من منهجية إدارة السلطة في التعاطي مع متغيرات الحداثة مما تشكل لدى مواطنها احتجاج كبير ورغبة في التغيير .
٢-انها دولة متهمة بالإرهاب ومن السهل تحميلها مسؤولية ما يحدث في العالم من جرائم وأعمال ارهاب .
٣-انها متهمة بانتهاكات حقوق الانسان وبمجرد رفع مستوى منسوب الاعلام ضدها سرعان ما تنهار .
٤- ارتفاع مستوى البطالة في المملكة وأجواء من التذمر تسود أوساط الشباب .
٥- مشكلة الحرب مع اليمن والتي تدور منذ أكثر من عامين دون حل عسكري أو سياسي وما في ذلك من تكلفة وقلق .
٦-الحراك في المناطق الشرقية من المملكة.
٧-صعود دول منافسة للسعودية داخل مجلس التعاون الخليجي مثل قطر والإمارات .
٨- الحراك في البحرين وتكلفة قوات درع الجزيرة والضغط على دولة البحرين بعدم الرضوخ للحراك البحريني بالموافقة على نظام (الملكي الدستوري .(
٩-انخفاض أسعار النفط وتأثير ذلك على المستوى المعاشي على المواطن السعودي وعلى نفقات الدولة .
١٠-فشل المملكة في إقامة علاقات جيدة مع الدول الإقليمية والعالم اجمع .
١١-انعكاس تأثير الربيع العربي في المنطقة على رغبة الشعب في المملكة بالتغيير أسوة بالدول الاخرى التي شملها التغيير .
١٢-تورط المملكة بالملف السوري وما يتطلب من انفاق مالي كبير.
١٣-الخلاف مع الجمهورية الاسلامية الإيرانية وهاجس الصراع على النفوذ.
١٤-امتلاك المملكة احتياطيا نفطيا كبيرا ومناجم للذهب وأرصدة مالية هائلة في المصارف العالمية وفِي البنوك الأميركية لوحدها مبلغ ٧٥٠ مليار دولار .
١٥- لا توجد معارضة قوية وفاعلة للوقوف أمام مشروع الابتزاز هذا ويكفي بإقناع الجهة الحاكمة .
١٦- المملكة وضعت جميع بيضاتها في السلة الأميركية دون أدنى حماية من جهة اخرى .!!
هناك نقاط اخرى أوردتها مراكز دراسات اجنبية تصل الى العشرات لسنا في صددها ونكتفي بما أوردناه لتكون المملكة هي المنطقة الرخوة التي يمكن ابتزازها واستلاب المليارات منها بأسرع الطرق. كانت الإشارة الاولى من الولايات المتحدة للشروع بمشروع ابتزاز المملكة ما جاء على لسان الرئيس الأميركي الجديد ترامب خلال مرحلة حملته الانتخابية حيث قال (المملكة ستفقد كيانها لولا ارتداءها عباءة الحماية الأميركية !!) ثم تواصلت التصريحات وحملات الصحف وصدور قانون (جاست) وغيرها .
حاولت المملكة يومها ان تبحث عن بدائل عن (الصداقة الأميركية) وتذكرت ما كان لأصدقاء أميركا من الحكام العرب وكيف كان مصيرهم مثل الرئيس المصري السابق حسني مبارك وغيره ، ودعت الى اجتماع في الرياض على مستوى وزراء خارجية ثم قادة واقترحوا ان تكون بريطانيا هي البديل أو فرنسا ثم اتجهوا الى روسيا والصين ، لكنهم فشلوا لأنهم مطوقون بالإرادة الأميركية بقوة . تيقنت السعودية انها أمام حلين الاول ان تنهار وتتغير السلطة ، وثانيا ان توافق على مشروع أمريكا (المال مقابل الحماية) فاختارت الوسيط الاسرائيلي ، بعد ذهاب لواء المخابرات السعودي السابق (انور عشقي) مع وفد يتكون من عشر شخصيات سعودية الى اسرائيل علنا ، واللقاء بالمسؤولين الإسرائيليين لعقد الصفقة بضمانة إسرائيلية ، ان لا يتغير نظام ال سعود على الأقل في العشر السنوات الاولى بعد عقد الصفقة ودفع المبلغ الاول. والبالغ (١٥٠) مليار دولار لصفقة تقدر بـ(٣٥٠) مليار دولار على مدى عشر سنوات ، ناهيك عن الهدايا التي أوردتها الوكالات الأميركية والتي منها:-
حجر الماس يفوق سعره الـ 100 مليون دولار.
مسدس كله من الذهب الخالص ونادر في العالم وعليه صورة الملك عبد العزيز وعمره 80 سنة. سيف كله من الذهب الخالص، وزنه يزيد عن 25 كلغ ذهب مرصّع بالألماس والحجارة النادرة ويفوق ثمنه 200 مليون دولار.
25 ساعة يد كلها من الألماس والذهب، له ولعائلته، ويقدّر ثمنها بنحو 200 مليون دولار. 150 عباءة كلها مرصّعة بالأحجار الكريمة له ولعائلته. كما تم إطلاق أسم أكبر جادة في الرياض على أسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقابل وقوفه في وجه إيران وحلفائها. وسيتم نحت تمثال للرئيس ترامب من الذهب الخالص ، وهو أغلى تمثال في العالم.
كما تلقى ترامب تمثالا مصغرا للحرية في أميركا من الذهب والألماس والياقوت ، وتلقى ترامب يختاً طوله 125 مترا ، وهو أطول يخت في العالم لشخصية خاصة ، ويضم 80 غرفة مع 20 جناحا ملكيا وكل الأبواب ومسكات الأبواب والمغاسل كلها من الذهب الخالص. ويبلغ ثمن اليخت 800 مليون دولار.
أما تداعيات الزيارة فهي -:
١- الأسلحة التي تم الاتفاق عليها هي مجرد اسماء وأوراق ،حيث لم تقم المملكة في كل تاريخها استعراضا عسكريا لتعرض اسلحتها كما ان جيشها لم يعرف عدده ،وتؤكد الموسوعة ان عددهم ٥٠٠ الف عسكري !! لكنه مجرد رقم وان عدد اليمنيين يشكل نصفه وفيه من المرتزقة الكثير.
٢- الإعلان في الحرب على الاٍرهاب مجرد اعلان لا غير .
٣- الإعلان في ان الأسلحة التي تم الافاق على استيرادها ستستخدم ضد ايران مجرد وهم ، فالسعودية التي لم تحسم حربها مع فقراء اليمن التي تجاورها منذ عامين كيف لها ان تحسم حربها مع الجمهورية الاسلامية وهي التي تملك جيشا متميزا وتدريبا فاعلا وأسلحة متطورة ، ودولة متماسكة ناهيك عن البعد بين الدولتين ،لكن الإعلان عن مواجهة ايران كان للإعلام فقط كمسوغ لدفع المبلغ لا غير .
٤ – الحضور العربي كان استعراضيا ، وتجلى في كلمة الرئيس المصري السيسي الذي حمل السعودية مسؤولية الاٍرهاب .!!
٥-بعد انتهاء القمة سينفرط العقد دون أدنى متابعة وسيبقى مجرد ذكرى لابتزاز أميركا لأموال الشعوب .
٦-عدم حضور تركيا وإيران كدولتين مسلمتين وفاعلين في المنطقة الى (القمة) افشل -تماما -ان تسوق القمة على انها إسلامية وكشف في ضعف العلاقات السعودية مع دول المنطقة .
٧- حضور العراق الى القمة كان عنوانا لهشاشة العملية السياسية في العراق والمذلة بعينها .
٨- الشعب السعودي غير مقتنع تماما بنتائج القمة ، وبالأموال التي دفعت ، وقد عبر عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي عن تذمره وَمِمَّا أورده البعض (دفعنا كل هذه الأموال ومازال ترامب يسمي الخليج بالخليج الفارسي)!! بعد مسرحية الابتزاز الأميركي هذه لدولة السعودية من ستكون الفريسة الثانية ؟ دولة عربية أم اجنبية ؟ المهم ان الأموال العربية هي الأرخص والأسهل في مشروع (المال مقابل الحماية) .



