الاستكبار


عن الإمام الصادق «عليه السلام»: «أصول الكفر ثلاثة: الحرص والاستكبار والحسد».. بيِّن القرآن الكريم علاقة الاستكبار بالكفر في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، لم يكن إبليس منكرًا لوجود الله تعالى، بل كان يؤمن بالله، وأنه الخالق له ولغيره (خَلَقْتَنِي ..وَخَلَقْتَهُ). وكذا كان يؤمن بصفات الله الكمالية ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وكذا كان يؤمن بيوم القيامة ﴿فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. ومع ذلك رفض السجود لآدم عليه السلام، لماذا؟القرآن يجيب بأنّ السبب هو الاستكبار، قال تعالى مخاطباً إبليس: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾. وبما أنّه ليس من العالين، فيبقى أنّ السبب هو الاستكبار، وقد عبّر إبليس عن استكباره بقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، وهذا يعني أنّه رأى نفسه فوق غيره، واعتقد أنّ منزلته أرفع من منزلة غيره، فتكلَّف الترفُّع على الغير وتعالى عليه، وهذا معنى الاستكبار. وكانت نتيجة سلوكه النابع من هذه الرؤية أن الله تعالى حكم بالكفر: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.إذاً مشكلة إبليس لم تكن من الناحية العلميّة والمعرفيّة، بل كانت سلوكية نابعة من رؤية خاصة,إنّ علاقة الاستكبار بالكفر لم تنحصر بما ورد في قصة إبليس وامتناعه عن السجود لآدم عليه السلام، فقد تقدّم أنّ الإمام الصادق عليه السلام اعتبر الاستكبار من أصول الكفر، وقد أكَّد هذا المعنى في جواب لمن سأله عن أدنى الإلحاد فقال له: «الكبر أدناه». وهذا يشير إلى أنّ الكفر والإلحاد لا ينطلقان دائماً من خلفيّة نظرية، وإشكالات فكريَّة، بل قد يكون للكفر مناشئ نفسيّة، والاستكبار هو من هذه المناشئ الخطيرة المؤدّية للكفر. وهذا ما يؤكّد ضرورة التعمّق بهذه الآفة الخطرة لفهم أسبابها، وبواعثها، ومظاهرها، وطرق التخلّص منها، وتمييزها عن غيرها…قال الإمام الخمينيّ قدس سره: «للكبر أسباب عديدة ترجع كلّها إلى توهم الإنسان الكمال في نفسه، ممّا يبعث على العجب الممزوج بحبّ الذات، فيحجب كمال الآخرين، ويراهم أدنى منه، ويترفّع عليهم قلبياً أو ظاهريًا».والعجب الذي أشار إليه الإمام قدس سره هو عبارة عن استعظام الذات باستعظام خصالها التي يراها الإنسان كماليّة، فيركن إليها ناسباً لها إلى نفسه لا إلى الله عزَّ وجلَّ.والعجب هذا، وإن انطلق ممّا يراه الإنسان كمالاً في نفسه، إلاّ أن التدبّر في الأمر يؤدّي إلى فهم المغزى العميق للحديث المشرِّح لنفسيّة المتكبِّر، وهو ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «ما من رجلٍ تكبَّر أو تجبَّر إلاّ لذلة يجدها في نفسه».مع أنّ العجب هو السبب الرئيسيّ للاستكبار، إلاّ أنّ جملة من الأمور تساهم في صنعه أطلق عليها أمير المؤمنين عليه السلام مصطلح «لواقح» في قوله الوارد عنه: «استعيذوا بالله من لواقح الكبر، كما تستعيذونه من طوارق الدهر».نلاحظ أنّ المستكبرين يعكسون تكبّرهم من خلال ما يظهرونه من أمور من قبيل: نوعية الثياب، هيئة الجلوس، كيفية المشي، نبرة الصوت … إلى غير ذلك من الأمور.وقد أولى الإسلام الاهتمام المناسب لإبعاد الإنسان عن مظاهر التكبُّر، فقد وردت الأحاديث العديدة الداعية إلى التفات الإنسان إلى ثيابه وجلوسه ومشيه بأن لا تدلّ على تكبّر صاحبها، نعرض من ذلك:كان المتكبِّرون فيما مضى يميِّزون أنفسهم بتطويل الأثواب، لذا وردت الأحاديث تنهى عن فعل ذلك، لدلالته على التكبُّر، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله عزّ وجلّ إليه يوم القيامة»، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: «إياك وإسبال الإزار والقميص، فإنّ ذلك من المخيلة، والله لا يحبّ المخيلة»، وعن الإمام الصادق عليه السلام: «ما حاذى الكعبين من الثوب ففي النار».إنّ الخطوة الأولى لعلاج التكبُّر أن ينظر الإنسان إلى حقيقته نظرة واقعيّة، ويتفكّر في ذلك، فعن الإمام عليّ عليه السلام: «ما لابن آدم والفخر، أوّله نطفة، وآخره جيفة، ولا يرزق نفسه، ولا يدفعُ حتفه»..قال الإمام الخميني قدس سره في معرض كلامه حول معالجة التكبُّر: «فيا أيها الإنسان الذي لم تكن شيئاً في أول أمرك، وكنت كامناً في دهور العدم والآباد غير المتناهية، ما هو الأقلّ من العدم واللاشيء على صفحة الوجود، ثمَّ لمّا شاءتْ مشيئة الله أن يظهرك، إلى عالم الوجود، فمن جرّاء قلة قابليتك الناقصة، وتفاهتك، وضِعَتك، وعدم أهليّتك لتقبّل الفيض، أخرجك من هيولى العالم – المادة الأولى – الذي لا يكون سوى القوّة المحضة والضعف الصرف، إلى صورة الجسميّة والعنصريّة، التي هي أخسّ الموجودات وأحطّ الكائنات، ومن هناك أخرجك نطفة لو مسّتها يدك لاستقذرتها وتطهّرت منها .. وهناك حوّلك إلى علقة ومضغة، وغذّاك بغذاء يزعجك سماع اسمه ويخجلك. ولكن بما أن الجميع هذا هو حالهم وتلك هي بليّتهم، زال الخجل والبَلِيَّةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ في كل هذه التطورات كنت أرذل الموجودات وأذلّها وأحطّها، عارياً عن إدراك ظاهريّ وباطنيّ، بريئاً من كل الكمالات.



