تمحيص الناس وإختبارهم في زمان غيبة الإمام المهدي ( عجل الله فرجه)


تُعدّ مسألة تمحيص الناس واختبارهم في زمان غيبة الإمام المهدي (عجل الله فرجه) مسألة متواترة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعن أهل البيت (عليهم السلام)،والغاية من هذه الأحاديث هي التبيان للناس بأنهم سوف يمحصون ويميزون قبل الظهور المبارك حتى يبان الخبيث من الطيب،والطابر من الجازع والناكث من الملتزم بالعهد والولاية،فعن محمد بن مسلم قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:»إن قدام القائم علامات تكون من الله عزّ و جلّ للمؤمنين»،قلت: ما جعلني الله فداك»؟،قال (عليه السلام):»ذلك قول الله عزّ و جلّ: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ)،يعني المؤمنين قبل خروج القائم (بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)، قال: يبلوهم بشيء من الخوف من ملوك بني فلان في آخر سلطانهم، والجوع بغلاء أسعارهم.(ونقص من الأموال)،قال: كساد التجارات وقلة الفضل.ونقص من الأنفس، قال: موت ذريع. ونقص من الثمرات، قال: قلة ريع ما يزرع. وبشر الصابرين،عند ذلك بتعجيل خروج القائم (عليه السلام). ثم قال لي: يا محمد هنا تأويله إن الله تعالى يقول:»وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ».هذا يدلل لنا على تركيز أهل البيت(عليهم السلام) على التمحيص وتجهيز الناس له من خلال الأحاديث ، تكشف الأحاديث عن أهل البيت(عليهم السلام) عن التخطيط الإلهي المقتضي لامتحان المسلمين واختبارهم في غيبة إمام الزمان عليه السلام، لانّ الغيبة لاسيما اذا كانت طويلة وزائدة على عمر الانسان الطبيعي بعشرات المرات، ستورث الشك في النفوس الضعيفة في بقاء صاحب الغيبة حياً طوال تلك المدة، وقد يؤوّل هذا الشك الى الطعن باستمرار وجوده الشريف!والمراد بالتمحيص: التنقية بأخذ الشيء الجيد وإبعاد الشيء الرديء,وبالتمييز:التفرقة بين شيئين بموجب خصائص معيّنة، والمراد هنا معرفة الناس على حقيقتها بالاختبار و بالغربلة: نخل الشيء بالغربال..وفي حديث الإمام الباقر عليه السلام: (والله لتميّزنّ، والله لتمحصنّ، والله لتغربلنّ كما يغربل الزوان من القمح). والزوان: حبوب صغيرة تخلط بالحنطة وتكون على شكلها ولكنّها ليست منها،فيا لدقة التمثيل وروعته، فكما يخرج الزوان عن القمح بالغربال فكذلك يخرج ضعفاء الايمان بقانون التمحيص، وغربالهم ليس الاّ الظروف الصعبة التي يمر بها الانسان في حياته، وما تحيط بتلك الحياة من مصالح ضيّقة وشهوات ومغريات.وكل هذا يشير إلى انّ أكثر البشر يتبعون الباطل،وينحرفون مع الشهوات، ويندفعون تجاه مصالحهم، حتى ليكونوا عوناً للظالمين، ويداً لهم، وفي مقابل هذا تبقى في نتيجة الامتحان والتمييز والتمحيص الطويل ثلة لا يضرها من ناوأها حتى يقاتل آخرها الدجال؛ لأنهم يمثلون الحق صرفاً الذي لاباطل معه أصلاً.
ونظرة واحدة الى القرآن الكريم تكشف أنّ قانون التمحيص الإلهي لم يختص بفئة أو أمّة من الناس، بل هو قانون عام للبشرية في جميع مراحل تاريخها، ويدلنا على ذلك:قوله تعالى:»ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَميزَ الْخَبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ».ومن غير شك انّ قانون التمحيص لا بدّ أنْ يكون أشد وآكد إذا ما اقترن أمره بإعداد النخبة الصالحة التي ينبغي أنْ تعيش الاستعداد الكامل لنصرة الحق وأهله، من خلال انتظارها لدولة الحق المرتقبة على يد المنقذ العظيم الإمام المهدي (عليه السلام),ولقد أراد الله عزّ و جلّ أنْ يكون التمحيص في الغيبة الكبرى لإمام العصر والزمان(عجل الله فرجه) عظيماً؛ ليتضح من خلاله ما اذا كانت تصرفات الانسان واقواله منسجمة مع الدين أو لا. ولا شك أنّ من يعبر الاختبار الصعب لن يهمل وظيفته الاجتماعية الكبرى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعدّهما من أبرز وظائف عصر الانتظار المتقوّم بالايمان، والتضحية، والصمود.ولا يخفى انّ الغرض من أحاديث التمحيص والاختبار كلها انّما هو من يصب في خدمة اجيال الغيبة؛ لكي ينتبهوا من غفلتهم ويلحظوا ما ينبغي ملاحظته من أمور مثل:عدم الاغترار بلمع السراب من كلام المشعوذين الكاذبين.ومعرفة مكائد السفهاء وأعداء الحق، من الذين في قلوبهم مرض والمفتونين.والتعوّذ من زخارف ابليس واشياعه في كل زمان ومكان.والتمسّك بالثقلين: كتاب الله والعترة الطاهرة عليهم السلام.وعدم استطالة المدة في غيبة المولى عليه السلام؛ لانّ الظهور الشريف آتٍ لا محالة، ومثله مثل الساعة.والتدرّع بالصبر على انتظار الحبيب صاحب الطلعة الرشيدة والعترة الحميدة.وارتقابه ببصيرة لاحيرة فيها، ويقين لا شك معه.والاعتقاد الجازم بانّ الله تعالى سيصلح له أمره في ليلة واحدة وحينئذ سيقبل كالشهاب الثاقب.



