ثقافية

جاكوج

4582

مؤيد عبد الزهرة

«جاكوج» شوهد في سوق الصاغة ويقول قاسم الأعرج صاحب المكتبة انه رآه قبل عشر دقائق في جامع الوزير قرب زير الماء (الحب)، فيما أكد العامل احمد القندرجي مشاهدته يصعد السلم الحجري للطابق الثاني في سوق السراي عند «فلس» شقيق ياسين الخياط، وحين سئل نجم الأخرس بلغة الاشارة عن «جاكوج» قال انه يأكل لفة كبة من أبو علي ابو الكبة براس السوق، وكان معه صمون عسكري من المخبز في شارع المتنبي، «قيصرية حنش» الآن، فيما يقول ستار الصايغ انه سلم عليه قبل ساعة وهو يعبر جسر الشهداء باتجاه الكرخ، الكل يسأل عنه هذا «الجاكوج» فهو لولب الحركة، لا يكاد يستقر في مكان لحظة، هذا يكلفه بشراء حاجة وآخر يبعثه للمطعم، وثالث يريده ان يمر على محل فلان، وابلاغه ان موعد طلبيته قد يتأخر قليلا. والبعض يرسله لتسديد ورقة الماء قرب وزارة الدفاع، او الكهرباء، او المكوجي، وحتى بائع المشروبات الكحولية في اخر شارع المتنبي من جهة شارع الرشيد. و»جاكوج» رايح جاي مثل مغزل الحائك.. هذا «الجاكوج» كان علامة فارقة للحيز الجغرافي (سوق السراي، أزقة الحيدر خانة، ومعامل وورش الأحذية، عكد النصارى، منطقة العمار). عمره في الستينيات ـ آنذاك ـ تقريباً ثلاثون عاماً او اقل قليلا، وجهه املط، لكنه ممتلئ عافية، تحسده لكثافة شعر رأسه ونعومته وسواده كليل فاحم، لم يلبس يوما بنطالا او احتذى حذاءاً، بل كانت «الدشداشة» المقلمة زيه المفضل، ونعل اسفنجي ابو الاصبع صيفي.
تحسبه طفلاً صغيراً لكنه ماكر كثعلب يلمح دون ان يفصح، وبنفس الوقت مثل بهلوان يصنع الضحكة بصوته الناعم كسيدة من أتعس المواقف، وحاضر البديهية، لكل سؤال جواب، ولكل موقف طريق. وبدل من ان يسخروا منه لشكله وقصر قامته تراه يقلب الموقف. ولقاء خدماته يحصل على ما يجود به الآخرون فهذا درهم وذاك ربع دينار او مئة فلس، وهكذا يخرج كل يوم بحصيلة جيدة قد تتجاوز الدينار واكثر دون ان يصرف منها فلسا واحدا، اذ يأكل أينما حل مجانا لاريحيته ولخدماته، وربما للتعاطف مع شكل قامته القزمية.
لا احد يعلم له بيتا او مكاناً لأهله، فهو في الغالب ينام في هذا الخان، او في (طبكة) تلك الورشة، او في احد المحال وقد نسجت حوله قصص وأقاويل، فثمة من يقول انه لقيط وعاش في ميتم، واخريقول انه زعلان من اهله في البصرة، والبعض يقول أن امه واباه متوفيان، واخاه الكبير وزوجته صادرا الدار لصالحهما وحرماه من كل شيء. وهناك من يقول انه كان متزوجاً وهجر زوجته، لأنها عابت عليه ذكورته بعد سنوات خمس من العشرة معا، فطلقها وترك لها (الجمل بما حمل) كما يقال، وانه كان صاحب دكان قبل ان يأتي لبغداد. «جاكوج» وهذا اسمه المتداول كان يعرف ان ثمة همساً يدور بشأنه ولا يرد بل اعطى كما يقول المثل الشعبي (الاذن الطرشة وغلس) وهو يضحك في سره، بل احيانا بدا معجبا بما ينسج حوله من حكايات وكأنه ارادهم ان يصدقوا ما يقال.
لكن ذات خميس وبعد ان تسلم العمال في ورشة حنفي الاعظمي اسبوعياتهم، اتفق حنفي ان يبقي صانعه نجم الأخرس الصديق الأقرب لـ»جاكوج» على وجبة عشاء مع مشروبات كحولية يكون ضيف الشرف فيها «جاكوج» من اجل التسلية. وبالفعل حضر الدعوة وفيها ما بين الجد والهزل، تم استدراجه لتناول الكحوليات، وحين عب الكاس الأول على جرعات بدأ يغني ويصفق، وحين اكمل الكاس الثاني اخذ يبكي وينوح وأحيانا يدق على صدره وهو يردد (اني حمادة بن عباس البلام هيجي يصير بيه اخ يابه أروح فدوة لترابك). وتابع كلامه بلسان ثقيل (لك عيني نجم، نجومي آني حمودي ابن فاطمة الخبازة ابقى هذا حالي ماكو زوجة ماكو بيت اني مو بشر؟ شوكت أتزوج ومنو تقبل بي محد يقبل بيه شنو ذنبي اني هيجي شكلي).
ولا يهمك عيني «جاكوج» «حمدمد» بنات الحلال كثيرات ولكن هل عندك فلوس حتى نبحث لك عن امرأة؟ قالها ابو جواد مساعد حنفي في الورشة وهو يهدئه مربتاً على كتفه ويكاد يحضنه تأثرا بحزنه وبكائه، وقال له: سنساعدك ان شاء الله هذه بسيطة، ولكن كم معك؟
عندها رفع «جاكوج» دشداشته ليظهر حول بطنه حزاماص جلدياً وفيه اوراق نقدية. ومر شهر واكثر وصاحبنا يأمل بعروس، فالنقود جاهزة وابو جواد والكثيرون تعاطفوا معه بيد ان احد العمال كان الشيطان يركبه ويوسوس له كل ساعة ان يسرق شقاء «جاكوج» ويسلبه ما جمعه حين تحين الفرصة.
وذات فجر وهو في الطبكة جلس ليضع ما جمعه ذلك النهار، حتى علا صوته بالصراخ «أولاد الكلب سرقوني.. الحزام.. الحزام.. تعب العمر.. العروس راحت»!
وحين بدا النهار وتوافد العمال وعلموا ما جرى ، بعضهم قال في سره من يقول انه مسروق وهو يسرق الكحلة من العين وبعضهم قالوا انه يدرأ العين عنه واخرون قالوا ربما هو مسروق فعلا، ولكن من يسرق «جاكوج»؟ وهناك من نصحه ان يذهب لمركز شرطة بغداد في السراي ويسجل بلاغاً ودعوة على من يشك به. وذهب والدمع يغطي خده وسجل البلاغ ولكن دون ان يتهم احداً.
ومر أسبوع وشهر ولا جديد عن نقود «جاكوج»، حتى كاد الحزن يأكله،واخذ يعاقر الخمر يوميا. وفي ظهيرة صيف وبينما كان صاحب احد المحال يرسله لانجاز عمل كان «جاكوج» قد عب في جوفه ربع عرق وتوجه نحو نهر دجلة، وجلس على الشاطئ يغني بلوعة وحرقة ويبكي حظه العاثر، ثم نزل ليعوم. ومن حينها لم يُعرف له خبر، فقد وجدت (دشداشته) ونعله الاسفنجي على الشاطئ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى