ثقافية

المراقب العراقي تنشر رواية «الشيطان يحكم العاصمة» للكاتب المصري فرحات جنيدي

4322

فرحات جنيدي كاتب وقاص مصري، مدير مركز الحوار لبحوث الرأي العام والدعاية والاعلان، عضو اللجنة المركزية للحزب الناصري، كتب المقالات في عدد من الصحف والمواقع العربية، صدر له كتابان (الأحزاب والمال السياسي .. مقالات في الشأن المصري)، و(رائحة الدم الطيبة.. مقالات في الشأن العربي)، اضافة الى أن كتاباته شملت: المسرح (دموع ضاحكة)” 2003 ـ عرض على المسرح العائم وساقية الصاوي. السيناريو (حدود من نار) 2004. الرواية (أحزان الأفاعي) 2011. له كتابان في عالم القصة القصيرة: (قانون صاحبة العطر) 2015، و(مهاجرون) ومضات قصصية 2016. تنفرد (المراقب العراقي) بنشر رواية (الشيطان يحكم العاصمة) اسبوعيا، للكاتب فرحات جنيدي قبل طبعها وتوزيعها في مصر او في أي مكان آخر، وهي بذلك تؤكد تواصلها مع الثقافة العربية، ودعمها للكتاب والمثقفين في كل مكان.

الجزء الثالث عشر

كل شيء يتوقف عندما تأتي حت البسمة على وجوه الأطفال، عشت عمري كله أنتظر رحيلها وفعلت كل شيء حتى أني قدمت نفسي قربانًا وفي لحظات قليلة امتلأت سمائي بالأمل وظننت أن الربيع قادم، لكنه كان أملاً زائفًا وسرعان ما عادت واقتلعت أشجاري فأسرعت إلى حصني أحتمي منها لكنها سبقتني وتعلقت على جدراني وجلست على مائدتي وافترشت سريري واحتضنت وسادتي. صرخت أشتكي عجزي فاشتكى العجز صمتي فسخر الصمت، وقال: والله إني بك رحيم فحياتك كلها ﺭﻳﺎﺡ خماﺳﻴﻦ وإن تكلمت فستكون كالشيطان الذي يوسوس للشياطين, سرقتني بجمالها هزمتني بآلامها وخوفها على مستقبل طفلها, أي قدر رماني في طريقها وأي قدر يأخذني من المستحيل للمستحيل, فكت كلبتها أنيابها عن ثوبي فأشارت لي بعصاها تأمرني أن أتبعها إلى داخل البيت. مضيت خلفها كالطفل الذي وجد أمه فأجلستني أمامها وطالبتني بكشف حقيقتي. فتحت فمي لأتكلم فامتلأ فمي برياح عطرها فتسلل إلى عقلي فغزاني فشعرت أنني الغريب الذي يشبهني, انتفضت محاولاً أن أعود إلى ذاتي فتسلل شذاها إلى روحي فوجدتني حقًا غريباً يرتدي ثيابي لكنه أعمى لا يرى غير نورها أصم لا يسمع غير صوتها. ملّت صمتي وتزايدت ظنونها فيّ فضربت بعصاها الأرض وصرخت في وجهي وقالت: لماذا تلحقني؟ لماذا تتلصص عليّ؟ أي شيطان رجيم وسوس لك عني؟ تحجر لساني وتبلد عقلي فأفقت لنفسي بعد أن لطمتني على خدي فقلت صارخاً: لا تسيئي الظن بي سيدتي فإني والله الذي عاش عمره كله نائمًا ولما استيقظ قدر القدر له أن يغسل عينيه برؤياكِ.
ضحكت فتراقصت روحي على ضحكتها فشعرت أنني في دار العشق أسيراً, قصصتُ لها حكايتي دون أن آخذ منها حذراً, ابتسمت وقالت: أصدقك بالرغم من الكذب في بعض ما قصصت ولكن لا عليك فأنت الآن آمن وسنتحدث كثيراً. صمتت لحظة ثم قالت: أتدري لماذا أعطيتك الأمان بتلك السرعة؟ لأنني وببساطة مللت الوحدة وأريد من أتحدث إليه, ومن هنا أخذت طرف الخيط وبكل ما يجيده الأطفال من إصرار حاولت أن أعرف حكايتها وأول ما عرفت كان اسمها «ضوء الياسمين» وأكملت دون أن تخفي شيئاً وقالت: كان أبي سيداً على أرضه وبعد أن جاء «نتر» أصبح خادمًا في أرضه عبداً كما يسمونه يرعى ويروي البستان بقصر «نتر» ولأنه كان سيداً وله ذوق رفيع وكرامة اختاروا له مهمة توزيع وتغيير الزهور في القصر كل صباح, وكنت أنا ابنته الوحيدة, عشت حياه قاسية رغم النعيم الذي كان حولي فنحن من صرنا عبيداً في القصر نتمتع بما يتمتع به أسيادنا لكننا نتمتع به في الظل فرغم توفر كل شيء لكن لا تتوفر لنا الحرية للعيش في النور تلك حياة العبيد التي رسموها لنا ارتضوا بها, وقبل أن أكمل عامي السادس ماتت أمي قهراً على أبي فعشت في عالم موحش من الوحدة تطاردني أفكار غريبة لا أدري ما هي؟ لكن كل ما كنت أعرفه هو أنني أريد الخروج من وحدتي, طلبت من أبي أن أساعده لكنه رفض ليس بقرار نابع منه بل لقوانين القصر والإله «نتر». كان من الممكن أن يعطيني أبي مساحة صغيرة من العمل والحرية لكنه كان دائم الرفض حتى مرحلة قطف الزهور والتي تتم بعيداً عن القصر وقوانينه كان يرفض أن أشارك فيها, ومع إصراري عرفت منه حكاية زوجة الإله «نتر» مع الأطفال وبنات العبيد فاستسلمت وعشت أياماً من الضيق حتى اكتشفت مدرسة الكهنة والتي يعلمون فيها أطفال رجال القصر والجند والتي لم يكن مسموحاً لنا نحن أبناء الخدم والعبيد أن نتعلم فيها. كنت أقف من بعيد أحاول أن أستمع وأفهم ما يتعلمه الأطفال من سني على يد الكهنة، وكنت أجد لذة في ذلك حتى اكتشفوا أمري فكنت بنت السابعة أسيرة مربوطة الأيدي والأقدام بالحديد وسط غرفة مظلمة لا يدخلها النور إلا مرة واحدة عندما يأتيني الطعام. لا أدري ما الذي حدث؟ وما تلك المعجزة التي أنقذتني من هذا السجن والموت الذي كان ينتظرني؟ ومن بعدها تغيرت حياتي حتى أبي وافق على أن أساعده في تغيير زهور القصر وأصبح لا يخشى عليّ من زوجة الإله «نتر», لكني بعد شهر واحد فقط عرفت أن من كان سبب إنقاذي والموافق على عملي هي سيدتي جوهرة القصر ابنة الإله «بابا» الأسير في قصره, لقد أوكلت لي تغيير الزهور في سجن ابنها «ماو» في مكتبة القصر بعد إتفاق مع الدون «خرخور» والذي أوحى للإله «نتر» بتكليفي بتلك المهمة لأكون شعاع أمل لـ»ماو» الذي بدأت صحته في التدهور وأصابه شلل في قدميه ومل كل شيء، حتى كان يقال أنه اقترب من الجنون بسبب حالة الوحدة التي يعيش فيها وصغر سنه في ذلك الوقت, ومن هنا كانت مهمتي التي أنجزتها دون أن أدري ودون أن أعرف ما أُوكل إليّ, لقد كانت خطتهم أن أقوم أنا بتغيير الزهور والدخول والخروج على «ماو» في أي وقت لعلمهم المسبق بحبي للتعليم. فوجد «ماو» في وجودي تغييراً لنمط حياته فأنا أصغر منه بسنوات قليلة وعقلي قريب من عقله وتفكيري يمضي على طريق واحد مع تفكيره, ولقد نجحت خطط جوهرة القصر في الحفاظ على عقل وحياة ابنها وكذلك خطة الإله «نتر» في الحفاظ على الدم المقدس الذي يستمد منه حياته وخلوده.
فهمت وعرفت من حكايتها أنها ذات شخصية مستقلة مرتبة لا تعرف الكراهية لكنها متمردة ولا تهتم بموضوع القيم أو المبادئ السائدة بالقصر أو العاصمة والتى يحاول الكل فرضها عليها, وكانت منذ صغرها تفعل أي شيء لتحقيق طموحها وكانت تقف بشدة ضد كل من يقف في وجه هذا الطموح لكنها فوجئت بنظرات من «ماو» تحمل الكثير من علامات التعجب وهو يميل إلى أسفل نحو الكتاب الذي بين يديه كلما دخلت عليه وذات مرة سألها عن اسمها، فأجابت، فأشار إليها بالخروج ثم استوقفها مرة أخرى وسألها عن اسمها ولكن تلك المرة وهو مبتسم. شعرت بنظراته وتأكدت من قوة عقلها بعد أن سمعت همساته وهو يعبرعن تعجبه وهو يقول بصوت ضعيف: اسمها جميل وطلتها أجمل شعرت «ضوء الياسمين» بالراحة وبشيء يغزو قلبها ووجدت متعتها في تقديم الخدمة لـ»ماو».
دفعتها أحلامها في حب المعرفة والتقرب إلى «ماو» أن تسأله كل يوم سؤالا في أحد علوم الحياة كلما قدمت له الزهور وكان «ماو» يجد راحته في الإجابة عليها حتى أنه بدأ يعاملها كصديق له ويصب من نهر معرفته في دلوها وبدأ يعلمها القراءة والكتابة فاستبدلت الأسئلة بقراءة نص بجواره وتحاورها معه وكانت تقرأ وتفرغ ما تقرأه في دروس يومية في تحاورها معه وكأنها تبحث عن شيء مفقود. إنها تبحث عنه وتريد أن يكون بجانبها أكثر وتكون هي يد الخلاص له من أسره ليعود ويجلس على عرشه ليحقق الحرية ويحافظ على الكرامة والعزة ويؤكد سيادة الرعية ويدعم المساواة بين أفراده في الحقوق والواجبات ويقاوم الفوضى ويعيد النظر بشكل دائم ومستمر في تقييم رجال وان يعاملنا على اننا شعب العاصمة وليس سكانها وان يشاركنا في وضع القرارات التي تؤثر في حياتنا وان يساوي بيننا في الحصول على التعليم والمعرفة والتدريب والحماية وتوزيع الموارد المتاحة للحياة حتى يعيش الفرد حياة تزيد من فرصة وامكاناته.اقتربا أكثر وأكثر حتى جاءت عليهما لحظة من لحظات التقارب والصفاء فاختلطت أنفاسها بأنفاسه فإمتلأ قلبه بالرغبة وقدمت نفسها له بشوق كان يمتلكها منذ وقت بعيد، فالتصق الجسدان وأفرغ شوقه بين نهريها فارتوت وأثمر الشوق عن ثمره، فعلمت المرأة الأربعينية جوهرة القصر بذلك، فخشيت أن تكتمل الثمرة فتلفت أنظار الجوعى لها, ووجدت أمر تهريبها من القصر أمر سهل على عكس محاولتها السابقة في تهريب «ماو» فهربتها من القصر بمعاونة الدون «خرخور»، واختاروا لها هذا البيت الصغير بين الجبلين والذي يقف في المنتصف بين العاصمة ووجهها الآخر. مرت علينا لحظات من الصمت كالذي أخذ استراحة بعد جري مسافة كبيرة ثم تنهدت وقالت: والآن قل لي ما اسمك؟ توقف العالم كله من حولي بعدما نطقت بسؤالها وتحجرت عيناي وتفرقت شفتاي عن بعضهما حتى وقف الهواء حائراً لا يعرف ما الذي يمنعه من الدخول. أعادت سؤالها مرة أخرى فتزايد صمتي صمتاً وامتلكني شعور لا أعرف له وصف فتلك المرة الأولى في حياتي التي أُسال فيها عن اسمي. وقبل أن أنطق بحرف واحد أشارت بيدها أن ألتزم الصمت، فشعرت بالراحة، فأنا نسيت الحروف كلها ولا أستطيع أن أتكلم، لكن الغريب أنها هي أيضاً التزمت الصمت وتغير لون وجهها فانتبهت لحالة الخوف التي سيطرت عليها وهي تنظر نحو الباب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى