ثقافية

ثقوب

4119

غسان عباس محسن

تطلع مرة أخرى من شباك غرفته التي تطل على حديقة منزله الى ذلك المكان حيث كان معتادا على الجلوس فيه خلال الشهور الماضية، فأطلق زفير حسرة على تلك الايام التي لم يتصور بأنها ستعود ابدا. ولم يكن في جسده أي داء او علة تمنعه من معاودة الجلوس هناك مرة أخرى، لكنه كلما نظر الى ذلك المكان وتفحص بعينه المذعورة تلك الثقوب التي انتشرت على كل الاشياء من القماش الذي كان يحجب السياج الخارجي للحديقة وكذلك باب المنزل الحديدي وصولا الى الجدران القريبة حتى يشعر بالرعب الشديد وهو يتخذ له مكانا في نفسه. وكانت كل تلك الاشياء تحتوي على ثقوب متفاوتة الاحجام نتجت عن سقوط قذيفة مجهولة المصدر قبل عدة شهور في ذلك المكان الذي كان معتادا على الجلوس فيه، فاستعاد بذاكرته التي كانت تخشى حتى مجرد الخوض في تلك الذكرى تفاصيل ذلك الحادث وكيف أنه نجا منه بأعجوبة وكيف صار يشعر بالرعب كلما تذكر ذلك الحادث او كلما فكر في الجلوس بتلك الحديقة.
وصارت هذه الثقوب المنتشرة على أشياء كثيرة في منزله مع تلك الثقوب التي ملأت نفسه وتملأ قلبه رعبا كلما شاهد هذه او تحسس أثر تلك، فصار يتجنب الجلوس في ذلك المكان ويشعر بالثقوب وهي تكبر وتتسع في داخله كلما سمع صوت انفجار بعيد او قريب. لكن بدا وكأن الشوق والحنين للجلوس على تلك الأرجوحة الحديدية القديمة في حديقته صار يتغلب على مخاوفه شيئاً فشيئاً، فأخذت قدماه تقودانه الى ذلك المكان حتى اقترب من الارجوحة، وجعل يتلمسها فيما كانت أصوات بعض الصبية الذي يلعبون في الشارع تبث في نفسه الامان وتشجعه على فعل ذلك وهو يشعر بأنه يحسدهم لأنهم لم يمروا بمثل تجربته ولم يعرفوا الخوف الذي عرفه هو بعد مروره بتلك التجربة. فجأة شعر بشيء من النفور وهو يشاهد بعض الثقوب على تلك الارجوحة، لكنه وجد نفسه يتشجع ويجلس على تلك الارجوحة. ومما بث الطمأنينة في نفسه هو رؤيته أخته الصغيرة وهي تخرج من غرفتها وتقترب منه وقد ارتسمت الدهشة على وجهها عندما لمحته جالسا هناك بعد كل ما جرى، فابتسمت وهي تقترب منه فأخذ يبادلها الابتسام وهو ينظر الى اللعبة الجميلة التي كانت تحملها بيديها.
جلست أخته بقربه وانطلقت الارجوحة تطير بهما وكأنها كانت تنتشل ذلك الشاب من الخوف الذي غزا كيانه منذ عدة شهور فبدا كما لو أنه كان يحلم حلما جميلا. لكنه فجأة استيقظ من ذلك الحلم وأجفل بعد أن سمع صوت انفجار في مكان غير بعيد فسقطت اللعبة من يد أخته الرقيقة وتلطخت بالوحل الذي كان تحت قدميه. لم تستطع يدها الصغيرة ان تصل للعبتها، اما ذلك الاخ الخائف فقد تشبثت يده بالارجوحة وكأنه كان يحتمي بها من أصوات الانفجارات التي أخذت تتوالى. نظرت له أخته التي صارت تبكي بنظرة ذات معنى وكأنها كانت ترجوه ان ينتشل لها لعبتها من ذلك الوحل. فجأة أحس بأن تلك النظرة بثت في نفسه الشجاعة فتراخت قبضة يده وانحنى وهو يمدها للأسفل لكي يجلب لأخته الصغيرة لعبتها، برغم أن أصوات الانفجارات كانت لا تزال تزداد قوة وتقترب منهما شيئاً فشيئاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى