ثقافية

تلغراف الجسد المفكر

في الـكتابة عن الجسد يلزمني قبل كل شيء , هزيمة فكرة الوجود الحي للكائـــــن, بمــــعنى أن لا أُعطي بالاً لغــير تصورات المــــوت, حــيث ملامــسة تخومه على أنها تضاريس هجرة , لأنَّ الجسد يُـختزل بحـــضوره خـــــــاصــةً إذا ما أتى عارياً ومـــــــوغلاً في عدمه, والعدم هو المـساحة التي يلعـب بتوافرها الخـيال لعـبته المرحة بالـوصول إلى ضرورة ابتكار شـرط إثباتي يتأصّل بنفي الموجود, والعـري تحت مجسات وعيه, يكشف عن لافتات تختصر الطــريق المؤدية إلى أحشاء الرغبة. من زاويةٍ موازيةٍ يبرز بتمثيل عدم العدم , فحتى الخيال قد يتحرك بتـشظياتٍ مشوّشة بذهنيةٍ ربما تكشف عن مـؤداها البرهاني, لكنها مُسَــفّرَة نحو تفخيخ الوجود بالنفي, فما بين الظل ومصدره ثمّة ثغرة غائرة في العمق, مرّةً تؤطر بالخوف وبالتطيّر الانتشائي مرّة أخرى, واللا شيء أحياناً إذ تُزم شفاه الـلا وجود باستبطانها للـــذات, والأيروتك إذا ما آمنا به إحالةً إلى عالم عدمي متلاشٍ, سيـمكّننا من فتح الباب لمطلقية القوى, والمطلق بطبيعته هو المكمن الحقيقي لسحنة العدم, لربما يـــكون اللا شيء عتــبة لتفريخ المعنى, لكنه يُجذّر احتــــــــــــــــــمالات الحذر, والأخير بطبيعته يجـيء من أعالي المغامرة بصفته الحاث على التغاير, فلربما هـناك نسبة صواب بحسب ما أرى من أنَّ التكرارية هي قتل الثيمة الشكّية في أيّ مجال تأسست معرفته على نظريةٍ عديمة اليقين عدا العري إذ في اجتـراره التماعاتٍ لخلق نطفة شكاكة تحث فضولها إلى اكتساب الجسد بتفكيكه وكل مــــوت هو نزوع نحو شهوانية دفينة أُرسيت قـــواعدها على ما أبديتُ سلــفاً, حتى المباشرة ليس من الــجائز تحاشيها كونها مثلبة طمر حفريات ما وراء العري ولا من وراء سوى الموت الذاتي, والمعـرفة زاخرة بتأكيد تصورنا, فودساد وأنايســس نن وهنري ميلر وغيرهم من وعاة الأدب الفضائحي تناولوا الـجسد بدافع الاستكشاف لا الاكتشاف, كون الاخــير لو تحقق حتماً سيوقع بصاحبه في شراك معـادلة “الجزء والكل” ويمضي به إلى نشـــــوة التشبع وعندها تصدأ المفــاتيح, أمّــــا الاستكشاف فـــــهو نوع من الخبث التآمري على الموضوعة وهذا ما يحتاجه الكاتب الجسدي. مـــع جان جينية الحالة أشد نضجاً من حيث تــعاملاته مع الجـسد ظافرة باستعارة الموت من الجسد ذلك بتنـــشيـط كلاهما,ومسرحية راقص الحبل مثال ذلك. إذن تكرارية التفـــــــكير في الجسد هي شطب لفكرته الواحدة, وللفن الرسومي اشتغالات تمنحنا الـوقوف على الحافة الجسد كــي نقع بماهيته فلوتريك وماتيس ودالي وبيكاسو وكويا وتبــــور بتخطيطاته ورافائيل بجدرانياته, أنجلو بمجسماته, هؤلاء برعوا أيما براعة في استغوار الجسد بفكرته الواحدة, منشئين منه زخماً من الافكار, حـيث تعاطوا معه بمخيال قريب في الوصف إلــى ديـــــناميت تفتيت الجبال, وصخور الجسد لا تُفتت إلا بفكرته الـــــواحدة أو تكـــراره بتشـــظيات ذاتية. فالديناميت غير مزود بجهاز توحّد لحـجم ما يُفَتَّت, وإن تحصّل ذلك سيتـحول من مُفَتِّت قـوى إلى ميزان, لأن الإشتـــغال عــلى الجسد سباحة في مجرات القوى, لكن لا يعني الإذن في تهميشه كفكرة, فثمة موضوعاتٌ يــمكن خلخلتها بقوى الفكــرة, إلا الجسد فلكي نتقصى طاقات تفتــيته فلا بد مــن دكه بقوى الأفكار, إذ الغوص بتفاصيله بنَفَس قاهرٍ وصـريح وغير قابل للمزايدات التابـــــوية, فهو العقل الكبير, وهذا العقل الصغير الـذي نُسميه وعياً ليس سوى أداة صغيرة ولعبة بيد عقلك الكبير بحسب نيتشه, إلى هنا ينبغي قبل الإيمان بأجسادنا معرفة قدرتها الفكرية التي ستُعطيها وظــيفة العقل المانح عبر طاقته المُشغلة لتلك الأداة الصغيرة, المُعرضة للخلل والإحباط.

محمود عواد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى