الحرب الناعمة : الأسس النظرية والتطبيقية


الجزء العشرون
الحرب الناعمة والحرب العسكرية في غرفة
العمليات المشتركة
بيّنا في فقرة سابقة أن الحرب الناعمة أصبحت ركناً من أركان العقيدة القومية الأميركية، وجزءاً من الإستراتيجية الأميركية للمنطقة. لكن ينبغي أن نحدد الجهات العملياتية التي تتولى تنفيذ الوظائف والأهداف أي هيأة أركان الحرب الناعمة. من يطلّع على أرشيف المخابرات الاميركية CIA التي تسربت بصورة علنية على شكل وثائق مؤخراً28 وما تسرب من وثائق نشرها موقع ويكيليكس يفهم ترابط الإستراتيجيات والسياسات وآليات التخطيط والتحرك مع نمط عمل الأجهزة والأذرع التنفيذية للإدارة الأميركية التي يعهد إليها مباشرة تنفيذ الحرب الناعمة على إيران وحزب الله ومحور المقاومة. لكن البعض وقع في خطأ منهجي وتوهم أن الحرب الناعمة هي حرب إعلامية تارة أو حرب ثقافية أو سياسية تارة اخرى، أو حرب إقتصادية مرة، منفصلة عن الحروب الإستخباراتية والعسكرية والنفسية. فطرح إشكالات عن الخيط الجامع بين المسلسلات التلفزيونية والحروب العسكرية، والجامعات مع الحروب البرية، والمطاعم مع الحروب الأمنية، والعقوبات الإقتصادية مع الحروب النفسية..؟ القراءة المعمّقة والفاحصة لوثيقة الميثاق الرسمي لوكالة المخابرات المركزية الاميركية CIA تفك هذا اللغز، حيث يعثر على عنوان يشرح بعضاً من هذه الروابط وينص على “إغتيال وحذف شخصيات مؤثرة في الجبهة المعارضة للنظام المستهدف في سبيل دعم أهداف نفسية ودعائية في إطار خطة تحرك كبرى، وتسليح جماعات منشقة عن النظام المستهدف” و”شراء ذمم زعامات وكتاب صحف ومدراء إذاعات ودور نشر ومحطات تلفزيونية لتهيئة الأرضية أمام الأعمال السرية”. كما أن الباحث الأميركي ستيف هامونز Hammons Steve وصف هذا التشابك بمقولته “القوة التجاوزية الفائقة” قائلاً “ترتكز القوة الفائقة على دمج مجموعة من موارد القوة الصلبة والناعمة، وتتضمن استخدام الدبلوماسية، والموارد الثقافية، والعمليات الإنسانية، والعمليات الاستخباراتية القائمة على المعلومات البشرية، وعمليات الحرب النفسية، والعمليات العسكرية، والتكنولوجيا المتقدمة”. وبناء عليه، هناك غرفة عمليات مشتركة لتنسيق الجهود على ثلاث جبهات:
أ- جبهة الحرب الناعمة لتدمير القوة الناعمة لـ”الهدف” وإضعاف جاذبيته.
ب- الحرب الصلبة العسكرية والنفسية للإحتواء والردع وزعزعة الأركان، ويدخل من ضمنها دعم المنشقين والمجموعات التكفيرية كما سنبين.
ت- الضغوطات الإقتصادية والحصار والعقوبات لشل موارد الهدف. وتتألف غرفة العمليات المشتركة من الوزارات والوكالات الآتية:
1ـ وكالة الإستخبارات الأميركية CIA (تتولى جمع المعلومات وإعداد الدراسات والأبحاث عن النظم والجهات والشخصيات المستهدفة، وإدارة الحرب النفسية، وتجنيد العملاء، وتنفيذ الإغتيالات والانقلابات والثورات الملونة، وتعمل من خلال السفارات الأميركية حول العالم، ومن خلال محطات ومكاتب منفصلة ومستترة بشركات تجارية).
2ـ وزارة الخارجية الأميركية: تتولى الدبلوماسية والوكالات المدنية والتواصل مع الشخصيات والقوى السياسية من خلال السفارات.
3ـ وكالة التنمية الدولية الأميركية USAID: تتولى إدارة المشاريع التنموية في مختلف دول العالم، وتمويل منظمات المجتمع المدني، ولها في لبنان 12 مكتباً في مختلف المناطق والمحافظات.
4ـ هيأة حكّام البث الحكومي الأميركي: تدير قنوات البث التلفزيوني والفضائي وشبكات الإنترنت الحكومية، وتسمى في الإعلام “مكتب الدبلوماسية العامة”، مركزها واشنطن.
5ـ وزارة الدفاع (البنتاغون): تتولى قيادة الجيوش والقواعد العسكرية الأميركية المنتشرة حول العالم، وتدير الحرب الصلبة والنفسية، وجمع المعلومات الإستخباراتية وإعداد الدراسات الإستطلاعية حول البيئة والأرضية السياسية للخصوم والأعداء والتوصيات الإجرائية حيالها،
خاصة من خلال مركز الأبحاث الدفاعية المعروف باسم RAND وله فروع في قطر والإمارات.
6ـ وكالة الأمن القومي: تتولى جمع المعلومات الإلكترونية عبر التنصت على إشارات واتصالات معظم دول وشخصيات وقادة العالم، سواء الإتصالات السلكية أم اللاسلكية، وجمع المعلومات عن طريق شبكات الإنترنت العالمية كشركة Google ومواقع التواصل الإجتماعي كتويتر وفيسبوك، لا بل أن هذه المواقع مملوكة وتابعة تنظيمياً لوكالة الأمن القومي والبنتاغون، ويندرج منها أيضاً التنصت على مجمل الهواتف الذكية الجديدة الأكثر استعمالاً، وخاصة عبر برامج وتطبيقات التشغيل المجانية كالواتس أب Whats app، وهو ما دفع “لجنة تشخيص الجرائم” في الجمهورية الإسلامية في إيران لإصدار قرار يعدّ هذه الشركة محظورة لارتباطاتها السرية بالوكالات الأمنية الأميركية. وقد فجر العميل الأميركي الفار إلى روسيا “إدوارد سنودن” فضيحة مدوية عندما بين أنشطة هذه الوكالة وبين حجم اختراقها لشبكات الإتصالات العالمية، بما في ذلك هواتف الحلفاء (من بينها التنصت على هاتف المستشارة الألمانية انجيلا ميركل).



