ثقافية

المقامة الإزدحامية

3356

أمين صباح كبة

حدثنا ماجد بن وسام قال: وقفت في قطار العشاق، لانتظار المساق. فاحلني الى ركن اخضر، في مكان فيه العلم اسبر، فوقفت شاخص البصر، الى مناظر البشر. اطالع مشي الشباب، وعدو الحِسان اللباب. وكان بي شوق وحرمان، لأغصان البان، والخود الحسان. فقد فقدت عيني جمال المنظر، عندما عاشرت في سوابق ايامي ذئاب البشر. ثم لبثت قلقا، وقد تصبب وجهي عرقا.
حتى جاء منه الرد وقال: الحقني الى منزلها، لكي تحدث والدها. واسلك طريقك بحذر، لكي لا تتأخر.
ثم ولجت في الشارع، واستعذت من العذاب الواقع بالحي الرافع. حتى احلني رجل قبقاب، تبدو عليه ملامح الشباب، رث الثياب، وانشد:
تلبّست ثوبَ العارِ فقراً وهأنا
أمدُ يدي من أجل بعض المالِ
فإن كنت معطيني يعافيك خالقي
ويغنيك من فقر وذل سؤالِ
فاعطيته ما تيسر، وسألته عن اسمه فتسمر. وقال: المتجول العديم، ذو القلب الرحيم، الذي جاب الاقاليم، حكيم بن زعيم.
وتأخرت عن الميعاد، بعد ان جاء احدهم متلحفا بالسواد، فاخذ وقت توقف السير بالازدياد. وقال وهو يبكي: يا اصحاب الكرم والجود، اسألكم بخالق الوجود، ان تعطوني ما يكفي من النقود، لترزقوا شفاعة سيد الوجود، فانكر الركاب سؤاله. واقترب مني وقال: اعطني شيئا من المال، لاملأ بطون الاطفال، فيجنبني ذل السؤال. ان الله يحب المتصدقين، ويغفر ذنوب العاصين منهم والغافلين، ويسكنهم الجنة مع الصالحين. فاعطيته ما تيسر، وسألته عن اسمه فتسمر. وقال: صاحب الوجه البشوش، الذي حيّر ببسالته الجيوش، وارعب بقوته الوحوش، مصطفى بن هرموش.
وجاء سائل اخر واخذ يردد: جئتكم من اقصى البلاد، منشدا ابيات المقداد. وانشد:
يمشي الفقير وكل شيء ضده
والناس تغلق دونه ابوابها
هذا يعيبه وذاك يهينه
ويرى العداوة لا يرى اسبابها
حتى الكلاب اذا رأته عابرا
نبحت عليه وكشرت انيابها
واذا رأت يوما غنيا مقبلا
خضعت اليه وحركت اذنابها
فاعطيته ما تيسر، وسألته عن اسمه فتسمر. وقال: انا محمد بن علاء، بليغ الفقراء، وجليس الادباء، الذي اودع ماله للنساء، فعاش حياته ببؤس وشقاء.ثم تصايح الركاب، فاحتدت اصواتهم بالسباب، وهم يفتشون عن الاسباب. فاسكتهم رجلٌ حَسُن خَلقه وخُلقه. زينة الرجال، الذي اشتدت عليه الاهوال، كرارُ بن هلال، وقال: لقد اصبتم شرا، واتيتم منكرا. وقد نسيتم كيف زارتكم كلاكل الاعوام، وقد ذقتم معا مرارة العيش في الظلام، وانه لمن جور الحكام، ثم غض النظر، وانشد ابيات بن مطر:
ربما الماء يروب،
ربما الزيت يذوب،
ربما يحمل ماء في ثقوب،
ربما الزاني يتوب،
ربما تطلع شمس الضحى من صوب الغروب،
ربما يبرأ شيطان، فيعفو عنه غفار الذنوب،
إنما لا يبرأ الحكام في كل بلاد العرب من ذنب الشعوب.ثم ادركت سبب الازدحام، بعد ان سمعت الانام، وهم يتهافتون على الرسام .الذي انتهز الفرصة، واعتلى المنصة، وقال: يا معشر الناس، اعيذكم برب الناس، ملك الناس، اله الناس، من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجِنة والناس. لقد جئت اليوم اليكم، لابعد من جار عليكم، فخذوا عني هذه العبرة لكي تتلألأ عقولكم كالقمر، وتنهمر دموعكم كالمطر ولتغسلوا ذنوبكم يا معاشر البشر.
ثم القى درره، فذقت بعد القائه خسارة مرة، فقد ضاعت مني الدرة، بعد ان واعدت والدها اخر مرة.
واعتزمت كشف الحيلة فسألت عن مكان الرسام وعثرت عليه، وراقبت من بعيد كل من يقبل عليه. فاذا بي ارى جمع المتسولين وهم يلقون مالهم بين يديه، فصحت فيهم بعد ان فار التنور: مكانكم يا شياطين، اخبروني من يكون؟ فقال إبن علاء: انه محارب الحكام، وداحر اهل الجور عن الانام، القائد الهمام، والخطيب المقدام، علي بن ابي ناصر الرسام.ثم خرجت من الازدحام، بعد ان حل الظلام. وبعدها اقسمت ان اترك القطار، واعود الى حياة الاحرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى