اخر الأخبار

الحرب الناعمة : الأسس النظرية والتطبيقية

الجزء الثالث عشر

ما الفرق بين القوة الناعمة والحرب الناعمة؟
إلى اليوم لم تعترف الإدارة الأميركية بشن الحروب ناعمة، وقد حاول كتّاب أميركيون في بعض المجلات الأميركية المتخصصة بالقضايا الدولية مثل مجلة فورين بوليسي وغيرها طرح إشكالية على نظرية ومصطلح الحرب الناعمة، فقالوا “ان النظام الإيراني سوق لمصطلح الحرب الناعمة بمهارة وذكاء لأجل الاستفادة منها في الدعاية المضادة ورصف الصفوف الداخلية، ولاختراع حرب وهمية تبرر الإجراءات القمعية والبوليسية للمعارضة الإيرانية” . وهذا ما يتطلب إدراج فقرة خاصة لتوضيح مبهمات تلك الإشكالية والإجابة عليها. نقول أولاً أن مفردة الحرب وفق التعريف الكلاسيكي للموسوعات العسكرية هي “فن استخدام موارد القوة العسكرية في نزاع مسلح بين دولتين أو أكثر من الكيانات غيـر المنسجمة، الهدف منها إعادة تنظيم الجغرافيا السياسية للحصول على نتائج وغايات” أو هي “شكل من أشكال العلاقات الدولية يستخدم فيها العنف المسلح أو هي “فن تحقيق مطالب جماعية باستخدام القوات المسلحة”. وأضاف إليها كارل فون كلاوزفيتز أحد أهم المنظرين العسكريين المعاصرين رؤيته العميقة عندما قال “الحرب نزاع مسلح بين المصالح الكبرى تسيل فيها الدماء، وبهذا تختلف عن النزاعات الأخرى، وهي أداة لحماية مصالح الدول وتوسيع دائرة نفوذها، وهي عمل عنيف يقصد منها اجبار الخصوم على الخضوع لإرادة الدولة او الدول التي تشن الحرب، وهي عمليات مستمرة من العلاقات السياسية، وامتداد للسياسة، لكنها تقوم على وسائل مختلفة، فلكل عصر نوعه الخاص من الحروب، وظروفه الخاصة، وتحيزاته المميزة”. وجاء في كتاب “فن الحرب” للقائد العسكري الصيني الشهير سون تزوه Sun Tzu وهو أحد أبرز المراجع المعتمدة في المعاهد العسكرية العالمية أن “أولى مبادئ الحرب أعمال تؤدي إلى خداع وتضليل ومفاجأة وحيرة العـدو”. وبالرجوع الى مصدر النظرية من خلال كتاب “القوة الناعمة Soft Power” نجد أن صاحبها جوزيف ناي تجنب عمداً استخدام كلمة “حرب war” وأكثر من استخدم كلمة قوة Power, وهو نوع من الخداع والتضليل، قصد منه ترويج وتسويق نظريته كفكرة دبلوماسية في العلاقات الدولية. حيث إن التدقيق في عشرات النصوص في سياق أبحاثه ومقالاته تظهر أنه قرنها دائماً بالقوة الصلبة العسكرية، فتحدث في فصل خاص عن المزج بين القوة الصلبة العسكرية والاقتصادية والقوة الناعمة، وأن المزج سيعطي “القوة الذكية”. وهو ما يؤكد أنه قصد بالدلالة التضمنية والالتزامية ووفق قواعد المنطق ممارستها بالتزامن والتنسيق مع الحروب الصلبة العسكرية والاقتصادية، وليس كنظرية منفصلة. وفي ضوئها، دعا ناي في أكثر من مناسبة بأن تعمل القوة الناعمة بانسجام وتوافق تام مع القوة الصلبة العسكرية قائلاً “ينبغي ان تعمل القوة الناعمة بتمازج وتداخل تام مع القوة الصلبة، فالحاجة ماسة إلى سيف القوة الصلبة لأجل تحقيق السيطرة والسطوة العسكرية، في حين تعمل القوة الناعمة على الاستمالة والجذب والإقناع، وتلك هي القوة الذكية Smart power بالمزج بين القوتين. وأضاف ناي “بصفتي نائباً سابقاً لوزير الدفاع الأميركي لا يمكن لأحد أن يشك في مدى معرفتي وإقتناعي بأهمية القوة العسكرية الصلبة، ولكننا لن ننجح بالسيف وحده. ولقد نجحنا بمواجهة الإتحاد السوفياتي ليس بالقوة العسكرية والردع العسكري فحسب، وليس من خلال عمليات الحرب الباردة، بل بسبب القوة الناعمة التي قدر لها أن تساعد في تحويل الكتلة السوفياتية من الداخل، ولو استغرق ذلك عشرات السنين. فالعبرة الأهم هي الصبر والنفس الطويل والمزج والتوازن بين القوتين الصلبة والناعمة وتلك هي القوة الذكية”. وعندما ينتقد جوزيف ناي الإدارة الأميركية لاستخدامها المفرط للقوة العسكرية، والقول إنها أضرت بقوتها الناعمة على المدى البعيد، يعني أن القوة الناعمة يجب أن تكون رديفا لاستخدام آلات وأدوات الحرب العسكرية، لكنها تعمل في نفس الحقل والميدان، لتحقيق نفس الأهداف. وكما أشرنا في المدخل فإن مصطلح “الحرب الناعمة” وليس فقط القوة الناعمة أصبح يدرس في الكليات العسكرية الأميركية كنوع وشكل من حروب المستقبل للقرن . ويكفي أن نشير إلى أن من وضع وروّج فكرة القوة الناعمة هم قيادات وكوادر عملوا في وزارة الدفاع الأميركية كنواب ومساعدين لوزراء الدفاع، أو كباحثين في مراكز الدراسات والأبحاث المرتبطة بدوائر القرار الأميركي، وبالتالي فهؤلاء من متخرجي المؤسسات العسكرية والأمنية والبحثية المرتبطة بالإدارة الأميركية، وليسوا من متخرجي كليات الفنون الجميلة أو كليات العلوم الإنسانية والاجتماعية. وبناءاً عليه، يعدّ الاستخدام المركز والمخطط لموارد القوة الناعمة بصورة من دولة معادية – خاصة الإدارة الاميركية – أنها تشن حرباً ناعمة، وليس له تفسير آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى