النظام يحكم الكون


النظام، والدّقة، الإتقان والحكمة، العظمة والقوّة، هذه كلّها من صفات الخالق التي نراها بيّنةً في هذا الكون يقول تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ , كذلك الإنسان عندما خلقه الله سبحانه وتعالى، سواءً في البعد البدنيّ والجسديّ، أم فيما يتعلّق بالروح الإنسانيّة، فقد خلقهما على أساس نظامٍ دقيقٍ جدّاً يقول سبحانه وتعالى: ﴿صُنْعَ الله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ . لقد عرف الأطباء اليوم والعلماء الكثير من الأمور عن بدن الإنسان وأعضائه، وعن وظائفه ومشاكله وقوانينه، ولكن ما زالت الروح الإنسانيّة مجهولة بدرجةٍ عاليةٍ وكبيرة جدّاً لديهم. فهذه الروح وهذا الجسد وبالتالي هذه القوى الجسديّة والنفسّية والروحيّة، كلّها خاضعة لنظام وقوانين أودعها الله سبحانه وتعالى فيها، وعندما يختلّ النظام البيولوجيّ لدى الإنسان يؤدّي ذلك إلى انتكاسات صحيّة، أو ارتباكات في أداء الأعضاء لوظائفها، وهذا الخلل قد يؤدّي بالتالي إلى المرض، أو الشلل أو الموت.
إنّ كلّ ما هو خارج عن إرادة وقدرة وفعل الإنسان يسير ضمن نظام تكوينيّ قهريّ، وهو خاضع لسنن صارمة وقوانين حاسمة وقاطعة، وضعها الله سبحانه وتعالى في هذا الوجود وفي هذا الكون، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. وقد تُرك هامش لاختيار الإنسان وإرادته وعمله، فالله سبحانه وتعالى لديه أمران توّجه بهما إلى الإنسان:
أولا- طلب منه أن يعتمد النظام في حياته، وأن ينظّم أموره وشؤونه، وأن لا يكون عشوائيّاً, وأن يكون منظّماً مرتّباً.
ثانيا- وضع الله سبحانه وتعالى لحياة الإنسان نظاماً، وهذا النظام هو الدين أو الشريعة، ويُصطلح عليه في الأدبيّات المعاصرة بالقوانين. وهذه القوانين وضعها الله سبحانه وتعالى للإنسان لأجل أن ينظّم كلّ حياته على أساسها. لكن يبقى هناك فارق بين ما أودعه الله في هذا الوجود والكون وفينا كأشخاص، وبين نظام الحياة الذي شرّعه لنا الله، وهو أنّ النظام الأوّل يقهرنا ويحكمنا، ونحن خاضعون لسننه وقوانينه، وهو خارج عن إرادتنا واختيارنا. أمّا النظام الثاني وهو النظام التشريعيّ، فقد ترك الله سبحانه وتعالى بمشيئته وحكمته الأمر لمشيئتنا واختيارنا، بأن نُطيع أو نُخالف، أن نلتزم أو نعصي. وهذا هو الفرق بين النّظامين التكوينيّ والتشريعيّ: فالأوّل خارج عن إرادتنا واختيارنا، ولا نقدر أن نؤثّر فيه، فحركة الشمس وحركة الأرض حول نفسها والمنظومات الشمسيّة والنجوم كلّ ذلك خاضع لقوانين لا نقدر أن نغيّر فيها شيئاً. أمّا بالنسبة للقضايا التشريعيّة، فالله سبحانه وتعالى تركها لنا ليختبرنا، وليبتلينا من جهة، ولأنّه أراد أن نصل إلى سعادتنا أو شقائنا، إلى كمالنا أو ضياعنا بإرادتنا، ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: “الدنيا حلوة خضرة وإنّ الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الله”. وقد هيّأ لنا كلّ الإمكانات وكلّ السبل. فقد أراد لنا في هذه الدائرة – التي هي دائرة اختياريّة – أن ننظّم أمورنا. وكلّ الأديان الإلهيّة والشرائع الإلهيّة أكّدت لزوم ووجوب نظم الأمر والتنظيم.
إنّ النظام في المجتمع الإنسانيّ يأخذ أشكالاً متعدّدة، فالمدرسة منظّمة حيث إنّه فيها المدير، وفيها الناظر، وهي خاضعة لتنظيمٍ إداريّ معيّن. كذلك الوزارات، والجمعية، والجامعة، والمستشفى، والمركز الصحيّ، والمصنع، والبنك، كلّ هذه الأمور تخضع لتنظيم، والجيش هو تنظيم ولكنّه تنظيم عسكريّ، والحزب هو أحد أشكال التنظيم وهكذا. وقد أكّدت الأديان الإلهيّة والشرائع الإلهيّة وخصوصاً الإسلام منها، أن يكون هناك تنظيم في حياة الناس، والشريعة الإسلاميّة إذا أخذناها كمثل، نجد أنّ روح التنظيم سارية في كلّ أمور الشريعة. فالعبادة مثلاً، كالصلاة التي هي نظام كامل، وتتألّف من أجزاء وشروط وأركان وعدد ركعات وحركات محدّدة، وهي أيضاً ترتبط بالزمان، بالليل والنهار، بالفجر وطلوع الشمس وزوالها، وبمغيب الشمس ومنتصف الليل. الصوم أيضاً نظام كامل وهو يرتبط بالزمان. والحجّ نظام كامل وتنظيم كامل يرتبط بالزمان، بحيث تصبح حركة الإنسان والكون واحدة، فالإنسان معني بتتابع الليل والنهار والشمس والقمر، وبداية ونهاية الشهر لأنّه متّصل بعبادته.



