المراقب العراقي تنشر رواية «الشيطان يحكم العاصمة» للكاتب المصري فرحات جنيدي


فرحات جنيدي كاتب وقاص مصري، مدير مركز الحوار لبحوث الرأي العام والدعاية والاعلان، عضو اللجنة المركزية للحزب الناصري، كتب المقالات في عدد من الصحف والمواقع العربية، صدر له كتابان (الأحزاب والمال السياسي .. مقالات في الشأن المصري)، و(رائحة الدم الطيبة.. مقالات في الشأن العربي)، اضافة الى أن كتاباته شملت: المسرح (دموع ضاحكة)” 2003 ـ عرض على المسرح العائم وساقية الصاوي. السيناريو (حدود من نار) 2004. الرواية (أحزان الأفاعي) 2011. له كتابان في عالم القصة القصيرة: (قانون صاحبة العطر) 2015، و(مهاجرون) ومضات قصصية 2016. تنفرد (المراقب العراقي) بنشر رواية (الشيطان يحكم العاصمة) اسبوعيا، للكاتب فرحات جنيدي قبل طبعها وتوزيعها في مصر او في أي مكان آخر، وهي بذلك تؤكد تواصلها مع الثقافة العربية، ودعمها للكتاب والمثقفين في كل مكان.
الفصل الخامس
دقت طبول الخيانة وتراقصت الجثث بعد أن استولى الجندي” نتر” على القصر, وهو الذي حظي بإعجاب الكاهن الطبيب بسبب مهارته في القتال وعدم اعتماده على جسده النحيف الناعم واعتماده على عقله, بجانب غزارة معلوماته عن فنون الحرب وعلوم الدنيا, فاختاره أن يكون جليساً لطفله “ماو” ومعلماً له, حظي “نتر” بغرفة في القصر من الغرف المخصصة للجند القائمين على حراسة الإله “بابا”. وكان ذلك نقطة البداية للاستيلاء على القصر الملكي تنفيذاً لمخططه مع الآلهة الأعداء وجنودهم الذين تسللوا تحت جناح الظلام تحت مرأى ومسمع جنود القصر الذين باعوا الإله “بابا” بالذهب والنساء, ومنذ ذلك الوقت اشتهر القصر بظلامه من الداخل والخارج وتمت تغطية الجدران بالكامل من الداخل بجدريات رسمت بدماء ضحاياه وتمت تغطية الأرضيات بسجاد أسود وزُينت الممرات بأواني من الذهب امتلأت بحمض وضع فيه رؤوس معاوني الإله “بابا” من الكهنة وقادة الجيش والجند الذين خانوه وتعاونوا مع الآلهة الأعداء, وضُمت الأجنحة الخاصة بالضيوف إلى غرف القصر وطُرد الموظفين والجند والخدم وبُني لهم ديوان القرابين, وأمر الإله “نتر” بشق نفق بين القصر والديوان يتوسطه الكثير من الأبواب الحديدية وعلى كل باب العشرات من الجند الأشداء المتعطشين للدم, وقبل الباب الأخير المؤدي للقصر بنيت غرفة كبيرة مؤمّنة بخمسة أبواب ولها مدخل ضيق خصصت لسجن الإله “بابا” على الرغم من رفض الإله “نتر” لسجنه حيث كان يريد إعدامه, لكن كاهنه الأول أقنعه بعدم إعدامه والإبقاء عليه وعلى ابنته وحفيده “ماو” وأخذ دمهم المقدس حتى يتحول إلى إله لا يقهر.
كان الكاهن الأول للإله “نتر” مخلصاً فى داخله للإله “بابا” فأقنع الإله “نتر” بالإبقاء على الكاهن الطبيب حتى يتعرف منه على أسرار العاصمة والحكم وخزائن الذهب, والإبقاء على حياة الإله “بابا” وعائلته وتقديم الرعاية الكاملة لهم حتى تستمر حياتهم, وأن يأخذ كل يوم نقطة من دمهم المقدس ويضعها في شرابه حتى يتحول دمه إلى دم مقدس ويصبح إلهاً ويخلد ذكره. وشاهدت ابنة الإله “بابا” زوجها الكاهن الطبيب وهو معلق من قدميه ويجلد عشرات المرات كل يوم, وجُهز خيط من الصوف معقود عقد كثيرة متساوية المسافة يُدخَل طرفه الأول في أنفه و يُخرَج طرفه الثاني من فمه, ثم الإمساك بطرفي الخيط وسحبهما بالتوالي ذهاباً وإياباً من أجل أن يفشي لهم أسرار الإله “بابا”. ولكنه كان صلباً قوياً ولم يعترف بشيء فأجلسوه عارياً على مقعد مثقوب في وسطه ووضعوا تحت المقعد وعاء معدني فيه فئران ثم أشعلوا النار على الوعاء فهاجت الفئران بسبب الحرارة، فلم تعثر على مكان للخروج ولم تجد مخرجاً لها سوى اجتياز ذلك الثقب في المقعد، فالتحمت مع جسم الكاهن في معركة شرسة ومزقت جسده لكنه انتصر بالتزامه الصمت ولم يبح بكلمة! أخرجوه ورشّوا على جروحه الملح، وسُلم أمره بعد ذلك للخائن “خرخور” الذي رشحه “نتر” للكاهن الطبيب ليكون حارساً لنساء الإله “بابا” والذي بدوره أدخل البغاة للقصر وأفسد حياة كل الجند بالقصر, وكان خرخور مولعاً بالتعذيب بالخوازيق وحرق الناس أحياء. وأمر جنوده بجلب عدد من الرعية وقام بتعذيبهم وقتلهم بالخازوق وحرق جثثهم أمام الكاهن الطبيب الذي استسلم وأفشى بعض أسرار الإله “بابا” وارتضى “نتر” بما حصل عليه من أسرار فأمر بإعدامه, لكن خرخور لم ينفذ فيه إلاعدام وسجنه في سجن خاص به واستمر في تعذيبه حتى يفشي له الأسرار الأكثر أهمية بالنسبة له وهي خزائن الذهب والسلاح.
كان “نتر” يعلم أن حياته عرضة للخيانة فأشار عليه كاهنه الأول بأن تكون ابنة الإله “بابا” هي المشرفة على طعامه وأن يصنع الطعام بكميات كبيرة تمر على الحرس ثم الإله “بابا” ثم حفيده “ماو” المسجون داخل مكتبة القصر، ثم يأكل هو بعد أن يتأكد أن الطعام خالٍ من السم, وكان للكاهن الأول مساعد كان في الماضي من المشعوذين المتجولين في الشوارع والأزقة في عاصمة الإله “بابا”، ومشهور عنه قدرته على التنبؤ بالمستقبل. وذات مرة التقي بـ”نتر” عندما كان يتجول مع حفيد الإله “بابا” فأمسك بيده وقبض عليه بعنف حتى أخرج “نتر” سيفه في غضب وكاد يقتله لولا أنه ترك يده بسرعة وهو يصرخ فيه بنبوءة “ستصبح إلهاً عظيماً لم يشهد العالم مثله”. فتراجع “نتر” عن قتله وأفرغ ما في جيبه من ذهب ورماه له وأكمل سيره مع حفيد الإله “بابا” وهو يمتلكه شعور بالسعادة والفخر, وعندما وصل “نتر” إلى السلطة أصيب بهوس الشك ورأى الجميع من حوله وكأنهم أعداء له حتى صار يشتبه بأقرب أصدقائه إليه. وذات مرة أثناء غرقه في شراب الخمر تذكر ذلك المشعوذ الذي التقى به فأرسل جنده لجلبه وتشاور معه في الكثير من الأمور، فارتاح لرأيه فأمر بقتل كل من كان يتعاون معه في الماضي وشن الحرب على من لم يدعمه وأنهى بالمقصلة عائلات بأكملها من الأرستقراطيين، الذين كانوا يسخرون منه ومن عمله كجليس للحفيد. وكلف الكاهن الأول بالإشراف على بناء السور وجعل المشعوذ الرجل الأول بين رجاله وأعطاه لقب الكاهن الأول. ومن بعدها شعر “نتر” بالاستقرار وعاد إلى اتزانه وعقله الحكيم فتراجع عن القتل العشوائي.
لكن كهنته المتشددين استمروا على نهجهم وارتكبوا العديد من الجرائم؛ وقتلوا وشردوا الآلاف من الأبرياء، ولقي أكثر من مئة ألف شخص حتفهم بسبب ممارساته من التعذيب والعمل القسري في بناء السور. ولم تترك هذه الممارسات وراءها سوى المرض والمشقة والجوع. وكان للكاهن الأول زوجة تعاني من اضطرابات نفسية بسبب الوحدة والفراغ الدائم الذي تعيش فيه بعد أن تركها الكاهن الأول وعاش كل يوم مع امرأة جديدة وما يتبقى له من وقت يكون مع الإله “نتر”, فاستطاع الكهنة المتشددون ضمها لهم وتعليمها أساليب التعذيب قبل القتل في دروس حية حيث جعلوها تقطع أوصال ثم رؤوس العبيد, وبعد ذلك تركوها بعد أن لاحظوا استمتاعها وابتكارها لأساليب جديدة. عندما ابتعد عنها زوجها لظروف العمل مع الإله “نتر” وجدت في نفسها شهوة للفتيات فأخذت تلهو مع الخادمات الصغيرات، وبعد أن تمارس معهن الجنس تقوم بتعذيبهن وتمزيق لحمهن وفي النهاية ذبحهن وإطعام لحمهن للكلاب، وكان الدون “خرخور” يساعدها في التعذيب والتقاط الفتيات من الملاجئ.
استسلمت ابنة الإله “بابا” تلك المرأة الأربعينية التي شغلت عقول كل الآلهة للوضع الجديد وارتضت أن تكون خادمة لمن خانهم, وكان هدفها الإبقاء على حياة ابنها وأبيها وزوجها. ومضت بها الأيام المظلمة وهي تشرف على ديوان القرابين وطعام الإله “نتر” وكان في قلبها أملٌ أن يأتي اليوم وتتخلص من الإله “نتر” وكل من خان الإله “بابا”, لكن الأيام والسنوات مضت من دون أن تفعل شيئاً حتى جاء اليوم الذي ابتسم لها فيه القدر حيث علمت بهروب ابنها “ماو” من سجنه داخل مكتبة القصر.
أدهشتني قصتها فتمرد لساني على التزام الصمت وقاطعتها وقلت: إذاً هي أنتِ جوهرة القصر والروح المقدسة التي يستمد منها الإله “نتر” استمرار حياته.



