عمليات قادمون يا نينوى … دراسة تحليلية
الفريق الركن المتقاعد
حسن سلمان خليفة البيضاني
تحديدات القتال
فرضت ظروف ومعطيات المعركة لتحرير أغلب المدن العراقية من تنظيم داعش تحديدات كثيرة على القطعات القائمة بهذه الواجبات التي تصنف على انها من أكثر اشكال المعارك صعوبة خاصة وإنها تجري في بيئة غير مضمونة أي ان الولاء داخل المدينة من قبل سكانها لم يرتقِ الى الحد الذي يمكن ان يكون مطمئناً للقطعات ، يضاف الى ذلك ان المعارك تدار في تلك المدن على وجه الخصوص المعارك الدائرة الان في مدينة الموصل تجري في منطقة مأهولة بالسكان المدنيين وهذا الامر يزيد من صعوبات القتال ويتطلب ثلاثة أو أكثر من المتطلبات التي لابد من توفرها لغرض التعامل مع المدنيين بالشكل الذي يضمن سلامتهم وهي:
أولا- التحديد القسري لاستخدام كل أسلحة الرمي غير المباشر حتى عند الضرورة القصوى إلا وفق محددات وتأخير قد يفقد تنفيذ استخدامها غايته الأساسية والمتمثلة بتحقيق المباغتة.
ثانيا- الحاجة الى منظومة دعم لوجستي عالية المستوى خاصة في مجال تأمين متطلبات ديمومة حياة المدنيين وعلى رأس الأوليات هو الاسناد الطبي والذي يعد ذا أهمية بالغة في مثل هذه الحالات خاصة وان احتمالات حدوث الإصابات بين المدنيين واردة اثناء القتال.
ثالثا- منظومة الاستخبارات العاملة مع القطعات القائمة بالتطهير يجب ان تكون على قدر عال من الفطنة في تحديد العناصر المناوئة أو تلك التي زرعها التنظيم الإرهابي بغية قيامة بعمليات إرهابية، والصعوبة تكمن في ان أغلب هؤلاء سيكونون مع عوائلهم مما يجعل مهمة الفرز أو التحديد اثناء القتال أمر في غاية الصعوبة. يضاف الى ذلك فان التحديد الاخر في مثل هذه الظروف وخاصة تلك التي تجري بالوقت الحاضر من الساحل الايسر من الموصل فيها جملة من المحددات المفروضة على استخدام الدروع والعجلات الآلية والمدرعة في التقدم والتطهير, فالكل يعرف ان الغاية من استخدام الدروع في المعارك هو بالدرجة الأساس تحقيق فعل الصدمة وهذا الفعل لا يمكن ان يتحقق دون استخدام مبدأ تحشد القوة أي ان الحاجة قائمة الى جمع رعيل دبابات أو أكثر لتحقيق ذلك في حين ان الفرصة لا تتاح اطلاقاً لاستخدام هذا العدد من الدبابات في معارك المناطق المبينة , اذ غالبا ما يعتمد في تقدم الدروع أسلوب الرتل المتتابع في التقدم والذي يفقد القطعات المدرعة قدراتها في التعامل مع الأهداف ويحيل أي عدد مستخدم من الدبابات الى قوة دبابة واحدة فقط والتي تقود التقدم ، كما ان الأسلحة والأساليب المعتمدة من قبل داعش في التفخيخ ذو القوة التدميرية العالية جعل من الصعوبة بمكان ان تنجوا دبابة من هذه الأسلحة أو المتفجرات .لذلك فأن معركة الموصل الحالية وبرغم اشتراك قطعات الفرقة التاسعة الباسلة في عمليات التطهير إلا انها لا تمنح تلك القطعات فرصة كافية لا ظهار قدراتها بل حددت والى حد كبير من إمكاناتها وجعلتها مجبرة على التجحفل مع قطعات المشاة لتعمل كإسناد لها أو استخدام عناصر المشاة لحمايتها ضمن المديات القريبة اثناء التقدم وبرغم ذلك فأن المحيط الخارجي لمدينة الموصل شهد استخداما بارعا للدروع في الانقضاض على الأهداف التي حددت له ومنها ناحيتا بعشيقة والحمدانية وغيرهما . هنالك تحديد اخر لا يقل أهمية برز بشكل واضح في معارك تحرير الموصل هو محدودية امكانية تأمين الاسناد السمتي أو الجوي خاصة في مرحلة تطهير الأحياء وذلك ناجم عن أسباب عديدة منها:
1- احتمالات إصابة تلك الطائرات وخاصة السمتية منها بعد ان ظهر بشكل واضح تزويد الارهابيين من قبل قوى خارجية بمنظومات الدفاع الجوي إلا انه لم يرتقِ في استخدامها الى المستوى المؤثر حتى هذه اللحظة وربما كان ذلك ناجما عن ضعف التدريب.
2- تعدد محاور التقدم والصعوبات في تحديد خط تنسيق الاسناد الناري خاصة وان القتال في الموصل يدور من زقاق الى زقاق.
3- قلة الأسلحة أو الصواريخ ذات التوجيه الذكي لدى القوة الجوية العراقية وطيران الجيش واقتصار استخدامها على طائرات قوات التحالف التي أظهرت تباطؤ في التعامل مع الكثير من الأهداف اثناء المعركة.
أمام هذه الأسباب وأسباب أخرى انية وطارئة لم تمنح القوة الجوية وطيران الجيش الفسحة الكافية للقيام بالواجبات المناطة بها خاصة وان محدودية الإمكانات للكثير من الطائرات المستخدمة في القتال فرض تحديد أو سبب اخر في عدم لعب الدور الحيوي في المعركة.
القتال الليلي
منذ انطلاق عمليات تحرير نينوى في 17 تشرين الثاني 2016 وحتى يوم 3 كانون الثاني 2017 واغلب العمليات الجارية لتطهير الموصل وما حولها تجري نهاراً عدا عمليات صد الهجمات المقابلة والتي تكون القطعات مجبرة على خوضها ليلاً وربما يكون لدى القائمين على التخطيط لتنفيذ عمليات التطهير ما يبرر الابتعاد عن أسلوب القتال الليلي كونه يضيف صعوبات بالغة خاصة اثناء التنفيذ وهذه الصعوبات ناجمة عن مايلي:-
أولا- صعوبات القيادة والسيطرة خاصة وان التداخل بين القطعات وارد اثناء القيام بالهجمات الليلية كون المعركة تجري في مناطق مبنية.
ثانيا- إمكانية استغلال العدو للظلام للقيام بعمليات مباغتة تجاه القطعات القائمة بالتطهير.
ثالثا- ضعف الإمكانات التقنية في مجال القتال الليلي لدى قسم من الوحدات المشاركة في عمليات التطهير.
رابعا – اغلب أحياء مدينة الموصل مأهولة بالسكان لذلك فان القيام بعمليات ليلية قد يزيد من الصعوبات التي ستعانيها القطعات اثناء التطهير ليلاً خاصة إذا ما ظهرت بوادر نزوح من تلك الاحياء.
خامسا – من الصعب تقديم الاسناد الناري والسمتي والجوي اثناء عمليات التطهير الليلي.
سادسا – الجهد الهندسي سيلاقي صعوبات مضاعفة اثناء تعامله مع المتفجرات أو الاجسام التي فخخها العدو اثناء التطهير ليلاً.
لكن ومع كل تلك الأسباب فان التطهير الليلي يمنح المهاجم أو القائم بالتطهير خاصية أو سمة من الصعب الحصول عليها نهاراً وهي تحقيق المباغتة خاصة اذا ما اعتمد أسلوب التقدم الصامت تجاه الأهداف وهذه الخاصية أو الميزة ستفقد العدو قدرته على رد الفعل، ومن خلال ذلك ونتيجة التقييم الميداني من قبل القادة القائمين على إدارة العمليات القتالية في الموصل فقد اتخذت العمليات المشتركة قرارها بالقيام بعمليات تطهير ليلية لأحياء عديدة من الجانب الايسر من المدينة خاصة الواقعة منها في شمال المدينة ونجحت في ذلك نجاحاً باهراً وقد وفقت في ما تبتغيه حيث تحققت المباغتة بالشكل الكامل. ان استمرار عمليات التطهير ليلاً يجب ان ترافقه جملة من الإجراءات التي هي بالتأكيد لا تغيب عن بال القادة الميدانيين ومن هذه الإجراءات:-
أولا- تخصيص القطعات ذات قدرات تدريبية عالية والتي تمتلك كل وسائل القتال الليلي الحديثة والمتطورة.
ثانيا – الاستطلاع النهاري والليلي للمناطق أو الأحياء التي تنوي القطعات تطهيرها ليلاً.
ثالثا – يتوجب ان تتم معالجة الأهداف بدقة عالية نهاراً خاصة المعلومة منها والمحددة مسبقاً في الاحياء المنوي مهاجمتها ليلاً بغية منعها من تقديم أي إسناد لمجاميع العدو المدافعة عن تلك الاحياء.
رابعا- تهيئة المتطلبات اللوجستية لغرض استيعاب التدفق المدنيين ليلاً عند حصول عملية نزوح اثناء عمليات التطهير ليلاً.
وللحديث بقية …



