الحرب الناعمة : الأسس النظرية والتطبيقية


الجزء الاول
لا تعترف الولايات المتحدة الأميركية بصفة رسمية بشن أية حرب ناعمة، رغم أنها تتفاخر بقوتها الناعمة، وبين التفاخر بالقوة الناعمة والإعتراف بالحرب الناعمة خيط فاصل، ذلك أن جوهر وقوام الحرب الناعمة يعتمد على مبدأ السرية في تجهيز أرضية الموارد الناعمة قبل شن هذه الحرب، فلا يوجد أي مصلحة في اعلان الحرب الناعمة، لأن الاعتراف يرتب على الإدارة الأميركية تبعات سياسية دولية تتعلق بقواعد الحرب وفق القانون الدولي، كما أن الإعتراف يبطل مفاعيل ونتائج هذه الحرب أمام الجمهور. ومن هنا نجد أن الحرب الناعمة صامتة بطبعها، تحدث دون أي ضجيج، فلا يسمع فيها أزيز قذائف المدافع ولا أصوات جنازير الدبابات، ولا أصوات اقدام التوغل البري، ولا تستخدم فيها الأسراب والغارات الجوية. ولهذا فهي لا تخضع للقانون الدولي الذي يرعى قواعد الحروب العسكرية ومفاوضات السلام والهدنة ووقف اطلاق النار. بل هي نوع وشكل جديد من الحروب، يتصف بالسرية والتعقيد، ويديرها الخبراء عن بعد، وينفذها العملاء والناشطون الميدانيون والشرائح المضللة، وثمرتها إحتلال العقول والقلوب وتدمير المواقع والقيم السياسية والثقافية المعادية، وتبديل جدول الأعمال السياسي والثقافي للأعداء المفترضين خاصة محور المقاومة بديلاً عن احتلال الأراضي وتدمير المواقع والمنشآت العسكرية. ورغم أن مقولة الحرب الناعمة أصبحت مادة تدرس في كلية الدراسات العسكرية لقوات البحرية الأميركية NPS ورغم أنها استراتيجية رسمية للإدارة الاميركية تحت عنوان “المكافحة الناعمة لحركات التمرد” تحدث عنها معهد أميركان انتربرايز وان هذه الاستراتيجية مطبقة على 300 الف لبناني وفق بعض أرقام البرامج فلا يزال البعض في ساحتنا ينكر وجودها، أو يشكك بمدى فعاليتها في ضرب وزعزعة أركان جبهتنا. وفي الواقع، لعل من أخطر ميزات الحرب الناعمة أنها غير محسوسة، فلا ترى بالعين المجردة، هدفها السيطرة على البيئة الثقافية والسياسية والمعلوماتية والإعلامية للنظام أو المنظمة المعادية، وشل فعالية الجهاز المفاهيمي في عمليات القيادة والسيطرة في الحقلين الثقافي والسياسي، تمهيداً لممارسة التوجيه والتحويل التدريجي لعقول وقلوب النخبة القيادية والجمهور والرأي العام، وإحداث البرمجة السلوكية، لأجل الاحتلال التدريجي لطوبغرافيا المجال العام، والسيطرة على الميدان الفعلي على الأرض من خلال مجموعات منظمة من العملاء وبعض الناشطين من المنخدعين والمضللين جراء جاذبية الشعارات الأميركية والغربية، توصلاً للإطاحة بالنظام أو المنظمة المعادية. لهذا، لا تتابع وكالات الأنباء العالمية عمليات الحرب الناعمة إلا بعد إنجاز أهدافها الشاملة، وبعد تجاوزها مرحلة الصفر، أي في اللحظات الأخيرة لمشهد الإنقاض قبل إطاحة النظام أو المنظمة المستهدفة. كما أن رادارات الرصد والإستطلاع العسكرية والأمنية التابعة للجبهة المستهدفة لا ترى الصورة الكلية للمشهد إلى بعد اندلاع الحرب الناعمة، لأنها لم تصمم لرصد هذا الشكل والنمط المستجد من الحروب، وبناءاً عليه، فان نشاط برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في بعض مناطق محور المقاومة متاح وواسع ومرحب به من البعض، رغم أن هذه الوكالة هي الذراع الفاعلة للحرب الناعمة الأميركية.



