تأثير القلب في أحكام العقل
إن كان عقل الإنسان حرّاً فإنَّه يقضي ويحكم في الأمور كما ينبغي، وكما هي في الواقع، فيرى الخير خيراً، والشرّ شرّاً. أما إن وقع تحت سيطرة القلب ونفوذه، فسوف يحكم بما يهوى القلب ويحبّ، لا بما يقتضيه الحقّ، إنَّ العقل في ذاته قاضٍ عادلٌ، ولكن ينبغي الحفاظ على استغلال قوّته القضائيّة لكيلا تتسلَّط عليه السلطة التنفيذيّة بميولها ورغباتها وأهوائها، فإن تسلَّطت عليه فلا ينبغي أن ينتظر منه أن يكون عادلاً في أحكامه. من كلمات إمام المتقين عليٍ عليه السلام: “ومَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ”، والمقصود هو إنَّه في ظلمات الحوادث التي يحتاج فيها المرء إلى النور الذي يلقيه العقل لهدايته، يعمي حبُّ الشيء بصرَه فلا يرى. إنّ الحبّ والبغض، والصداقة والعداوة، تؤثّر في القضاء ولذلك، فإنَّ المرء ينظر إلى كلِّ ما يتعلَّق به نظرةَ إعجابٍ واستحسانٍ ورضا. إنَّ في الإنسان غريزةَ حبِّ الذّات، إنّه متعلّق بنفسه أكثر مما هو متعلّق بأيّ شيءٍ آخر، فهو ينظر إلى نفسه وإلى ما يخصّه بمنظارِ حسنِ الظنّ دائماً؛ أي إنَّه يقضي فيما يتعلَّق بذاته وبخاصّته بما يُرضي قلبه، لا بما يُرضي الحقّ والحقيقة. إنّه يرى أخلاقه الرديئة جيّدة، ويحسب أعماله السيّئة حسنة: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾، ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾. أما المؤمن فيقول عنه أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام: “المؤمن لا يُصبح ولا يُمسي إلَّا ونفسه ظنونٌ عنده”؛ أي إنَّه لا يحسن الظنّ بنفسه أبداً، إذ يحتمل أن يصدر عنها عمل سيّئ في كلِّ لحظة. وإن وصل المرء حقاً إلى هذه المرحلة، مرحلة إساءة الظنّ بنفسه الأمَّارة، واحتمال ارتكابها إثماً، أو إتيانها عملاً قبيحاً، فإنَّه سوف يراقب نفسه ويمنعها من القيام بما لا يليق، والويل لمن لا ينزع عن عينه أبداً منظار حُسن الظنّ بنفسه والإعجاب بها. وعليه، يتَّضح أنَّ الإنسان قد يقع تحت مؤثّرات تجعلُ أحكامه سقيمةً بحيث يُخطئ في قضائه، فيجانب العدالة، ويفقد حريّة عقله إن سيطر القلب وأهواء القلب عليه، فلا يرى الإنسان نفسه طاهراً ظاهريّاً فحسب، بل إنَّه يعتقد في قرارة نفسه أنّه نقيٌّ فعلاً، ولا عيبَ فيه مطلقاً. إنَّ واحدةً من العلل التي تسبِّب عدم نجاحنا في إصلاح المجتمع، هو أنّ كلِّ فردٍ عندما ينظر إلى نفسه وإلى أفعاله يضعُ منظار حسنِ الظنّ على عينيه، ولكنّه عندما ينظر إلى الآخرين وأفعالهم، يكون قد لبسَ منظار سوء الظنّ، وتكون النتيجة أنَّ أحداً لا يرى نفسه مقصّراً، بل يرى التقصير في الآخرين. الجميعُ يتطلّعون إلى العدالة الاجتماعيّة دون أن يفكّروا في أنَّ العدالة الاجتماعية لا تتحقَّق إلَّا إن كان الأفراد عادلين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾، فهذه دعوةٌ للناس أنْ يجاهدوا في إقامة العدل، وأن يَشْهَدوا في سبيل الله، وإن يكن على أنفسهم، أو على أبويهم أو أقربائهم، بصرف النظر عمَّا إذا كان غنيّاً أو فقيراً، فالله أولى بهما منكم، واحذروا أنْ تحرفكم أهواؤكم عن اتّباع الحقّ. إنّ من فوائد تربية الناس تربيةً دينيّةً هي أنّها تربّي في أعماق نفوسهم ملكة الإنصاف والعدل، إذ لا شكّ في أنّ هناك فرقاً بين أن يكون المرء مؤمناً يعتقد أنّ الله شاهدٌ على كلّ أفعاله وسكناته، وأن يكون المرء مجرّد داعيةٍ للمصلحة العامة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. إنّنا نعلم أنَّ رعاية أعمال الآخرين تعدّ في الإسلام جزءاً من الواجبات، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “كلّكم راعٍ، وكلّكم مسؤولٌ عن رعيّته”. ولكن ينبغي من جهةٍ أخرى أن يطردَ المرء من ذهنه تلك الفكرة الشيطانيّة القائلة: إنَّ المجتمع فاسدٌ، وإنَّ الآخرين فاسدون. إنَّ فساد المجتمع أو فساد الآخرين ليس عذراً لنا أمام الله في ارتكاب المفاسد، إنَّ واحدةً من تسويلات النفس هي أن نُلقي بذنوبنا على عواتق الآخرين.



