ترك الجزع من الحق


بعض النماذج من البشر إذا أساء الناس إليه وذمّوه أو إذا أُصيب بمصيبة تراه وقد أذهب الجزع صبره وأذهل عقله وحال بينه وبين الفهم والإفهام والقول والإسماع، ويغيب عنه أن المصائب التي تُصيب الإنسان في نفسه أو ماله أو في أسرته، أو في مجتمعه ليست شرّاً محضاً، يوجب الجزع بل هي خير للمؤمن إن أحسن تلقّيها والتعامل معها، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لأبي ذر الغفاري رضوان الله عليه: “وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسراً” يقول الامام الباقر عليه السلام في وصيته لجابر: “وَإِنْ ذُمِمْتَ فَلا تَجْزَعْ، وَفَكِّرْ فِيمَا قِيلَ فِيكَ, فَإِنْ عَرَفْتَ مِنْ نَفْسِكَ مَا قِيلَ فِيكَ فَسُقُوطُكَ مِنْ عَيْنِ اللهِ عزّ و جلّ عِنْدَ غَضَبِكَ مِنَ الْحَقِّ أَعْظَمُ عَلَيْكَ مُصِيبَةً مِمَّا خِفْتَ مِنْ سُقُوطِكَ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى خِلافِ مَا قِيلَ فِيكَ فَثَوَابٌ اكْتَسَبْتَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتْعَبَ بَدَنُكَ” المعنى إذا وصلت بتفكيرك إلى نتيجة تقول إنّ هذا العيب موجود فيك فعلاً، لكنّك كنت تُخفيه ولا تُحبّ أن يُعلن على الملأ، فإنّ ما فعله هذا الشخص – بغضّ النظر عن كونه قد ارتكب محرّماً وسيُعاقَب عليه – قد بيّن لك حقيقةً. فهل عليك – يا ترى – أن تضجر وتغضب من إكتشافك للحقيقة؟! فإن أنت فعلت ذلك كان فعلك أسوأ من سابقه, لأنّه إذا علم الإنسان بعيبه فأنكره، كان إنكاره هذا عن عمد وسيؤدّي إلى سقوطه من عين الله أكثر من ذي قبل، و لن ينظر الله إليه نظرة لطف ورحمة، فلماذا تخاف من الذمّ إذن؟ أ تخاف أن يُسيء الناس الظنّ بك، فتسقط من أعينهم وتفقد سمعتك ووجاهتك بينهم؟ هل تخشى من أن تُشكّل هذه الإساءة مانعاً من استمرارك في أعمال الخير فلا تستطيع بعدئذ أن تُقدّم ما كنت تُقدّم من خدمات للعباد؟ أم إنّك تخاف من أن تُحرم من خدمة الناس ومساعدتهم لك؟ لكن أيّهما أسوأ: أن تسقط من أعين الناس أو تسقط من عين الله عزّ و جلّ؟ فمَن الناس في مقابل الله تعالى كي يُعيرهم الإنسان كلّ هذه الأهمّية؟ فالمهمّ هو أن لا يسقط المرء من عين الباري عزّ و جلّ، فإنّك إن غضبت في هذا المقام، فستسقط من عين الله، وستُبتلى بأسوأ ممّا خفت منه. أمّا إذا قادك تفكيرك إلى أنّه لا أساس لكلّ هذه الإساءات، سواء أكان المسيء مخطئاً في الفهم، أم تعمّد الإساءة كذباً، فإنّه سيُكتب لك في صحيفة أعمالك ثوابٌ في كلتا الحالتين. وليس في ذلك ما يثير الاستياء والانزعاج، (والجزع). بل إنْ ذمّوك بما هو ليس فيك، فعليك أن تفرح لظفرك بثواب من غير تعب ولا نصَب، بل إنّ ذلك ممّا يوجب الشكر أيضاً . أيها المؤمن إذا ذمّوك وعابوك فلا تجزع أو تجازِهم بفعلهم، فإن ذلك يوجب زيادة خشونتهم وذمهم بل أعطِهم من الإساءة إليك على سبيل القرض في ذمّتهم لتستوفيه منهم يوم حاجتك في القيامة.. قال الإمام الصادق عليه السلام: “أغلق أبواب جوارحك عمّا يقع ضرره إلى قلبك ويذهب بوجاهتك عند الله، ويعقب الحسرة والندامة يوم القيامة، والحياء عمّا إجترحت من السيئات، والمتورِّع يحتاج إلى ثلاثة أصول: الصفح عن عثرات الخلق أجمع، وترك خطيئته فيهم، واستواء المدح والذم…” . وروي عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: “قال عيسى إبن مريم عليه السلام ليحيى بن زكريا عليه السلام: إذا قيل فيك ما فيك، فاعلم أنه ذنب ذكرته، فاستغفر الله منه، وإن قيل فيك ما ليس فيك فاعلم أنها حسنة كُتبت لك لم تتعب فيها” .



