الكتابة وجعاً في «أ قنعة» عبد شاكر
ليس هناك من شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم، كما قال الفريد دي موسيه، في منمنماته القصصية والقصيرة جدا. لا ينفك الأديب الصديق عبد شاكر يزاوج بين الواقعي والرمزي موجدا تلك العلاقة الاشكالية بينهما، وهو ما يتمظهر في مجموعته القصصية الوامضة القصيرة جدا الموسومة (اقنعة) بطبعتها الثانية. فالسمة الغالبة لهذه المجموعة هي الايجاز والتكثيف اللغوي الذي يذكرنا بمقولة صاموئيل بتلر المهمة جدا (إن المبدع هو من يقول الكثير.. بالقليل من الكلمات)، وهذا ما طبع نصوص المجموعة برمتها. عبد شاكر في (اقنعة) راصد من طراز أول، يحيل اليومي والمألوف عبر عينيه اللتين تحولتا الى كاميرا توثق كل ما تراه بحسب ما أورده ـ صاحب الأثر ـ في مقدمته التي جاءت تحت عنوان (الكتابة بلغة الجمر).
إنه ذاكرة عراقية تؤرشف كل ما ينوء به واقعنا العراقي الذي لا أوان له أن يهدأ أو يستكين. نحن نلتمس من تضاريس هذه المجموعة اجواء الفقر والمعاناة والفاقة والسجون مما يدلل على عظم ما عاناه الكاتب من محن وفواجع كبيرة باتت واضحة وجلية في نصوص تلك المجموعة. (مدمن) اولى نصوص أو منمنمات عبد شاكر القصصية تتطلب منا وقفة تأملية كونها دللت على صدق ما طرحناه، فهو هنا نفس حائرة تتعذب بين مطرقة الجلاد التي لا تعرف الرحمة نهائيا وبين الحبيبة التي قد يكون وجودها مجازا كان قد حلق في مخيلة الكاتب. وهو بمعنى من المعاني تعبير عن أحلامه ومشاريعه المؤجلة التي قيدتها الظروف العصيبة جدا التي عاشها بدلالة وجود كلمة (الجمر) فيها التي تعني فيما تعنيه المشقة البالغة والظروف القاسية جدا (الجلاد والحبيبة، كلاهما جعلاه يمشي على الجمر، عندما أطفأ الجمر بكفيه الراعشتين، لم يكترث للألم، كان قد أدمن اللسع)!
ويستمر أتون اللسع والجمر فنقرأ في منمنمة (زنازين): (أخيراً نال حريته وخرج من زنزانة العذاب، لكنه سرعان ما دخل باب زنزانة روحه المعذبة). كأنه يناغي المتنبي الخالد في قوله:
إذا كانت النفوس كبار
تعبت في مرادها الأجسام
ولأن ابن شاكر يوثق للأحداث بلغة الشعر نراه يرصد، وهو الحاذق.. بقوة مرحلة الحصار التسعيني ليعيد اشتغالها في مشغله الشعري ـ القصصي هكذا وتحت عنوان (احتياج) فنقرأ: (فكر أن يأكل حبيبته.. ليس لأنها كثيرة الغنج، كان جائعا). بينما يقول في نص (تكفف): (وهي تبسط يد الجوع وتسأل الناس كسرة من كرامة، اندلق كأس عمرها فجأة تحت وهج الشموس، فسربت السماء روحها)! ويستمر الكاتب في تصويره مفردات واقع ساخن أشد السخونة ليوثق ما جاد به عبر مشغله الإبداعي إلى (تواقيع) وهو نوع أدبي معروف بقصر كلماته وبلاغتها وتكثيفها العالي. لنتوقف على نماذج من هذه التواقيع: (كي تضمن حبه أبدا وعدم خيانته لها، قتلته بالسم) ضمان.
(مات وحيدا ومتعفنا، لم يك معه غيره، وصوت الأنين)! وحدة.
وفي نص تربة نقرأ: (مات متعبا قبل أن يشاهد عالما جديدا، يولد من رحم التربة بين نبتة ونبتة)! اما في نص خائنة فنقرأ: (زرعها فوق تربة قلبه، لكنها بقيت نبتة ميتة، كانت دائمة الخيانة)! أما في سفر فنقرأ: (مل اللا شيء، فسافر الى اللا مكان).
وهكذا هو الحال في نصوص: ركيزة، تشييع، حقيقة، قومية، صراع، فارس، غناء، قسوة، اعداء، ترنح، بكاء، ابدية، احتفال، داجن، منفى، مأتم، ذاكرة، هروب، ريس، خليقة، وحش، لغة، قائد.
إنه يسمعنا نشيد آلامنا المريرة والمزمنة على مر التاريخ والأزمنة.
محمد محسن السيد



