أفلام الكارتون بوصفها إيديولوجياً


د.رحيم الساعدي
ما يثيرني في أفلام الكارتون الغربية أنها بالرغم من تماسها اللصيق بالبراءة والطفولة، إلا ان نزعتها التوجيهية للمجتمع لا تنفك عنها، وهذا يعني انها تدار من الجانب الآخر الخفي أو الموجه أو (المراد والمخطط له) من الدولة التي تصدر ذلك الترفيه الجاسوس في بعض الأحيان.
إن الدول التي بناها الفلاسفة أو الأنبياء أو الطغاة ، كل بطرق مختلفة وبأعداد محدودة من المنظرين طبقت وشغلت نواتها العامة أو توجهها أو صبغتها وذلك يعني نوعاً من الايدولوجيا المرسومة أو الأفكار الثابتة أو التوجه الإجتماعي.
وعلى هذا فان كلاً من حمورابي والفراعنة والقرطاجنيين ونبوخذ نصر والملوك والطغاة والمنظرين المعاصرين لتشييد الدول، لديهم برنامجهم الذي يسيرون على وفقه، وقد تسمى الأسس الثابتة بالجانب العميق للدولة.
ومن الجانب المعاصر نلحظ أن تشييد الدولة والممسوحة بخلطة الديمقراطية كانت على وفق تصورات الإشتراكية والبركماتية أو ربما شيّدت الدول بنحو وتوجه آخر، ومع أن الفلاسفة هم من شيّد نواة تلك الدول إلا إنهم لم يرسموا غالب التفاصيل، أو الجانب الكمالي أو التكميلي لتشييد الدول، فتركوه للطبقات التي بيّنوا لها ضمن مخطط الدولة التي رسموها، فعملت هذه الطبقات على إبراز رأيها بطريقة تتناسب مع الأسس العامة المُشيَّد عليها النظام الحاكم. فالفكر الماركسي تكون مخرجاته الاشتراكية والرأسمالي أيضا الرأسمالية والإسلامي هي الإسلامية وهكذا يمكن القياس.
ومن تلك الجوانب الكمالية مثلا الفن أو صناعة السينما أو الكارتون، والذي استرعى انتباهي أو انتباه بعض الأصدقاء قبل ما يقارب 25 سنة تأطيره واستثماره الغربي، فكان فنا موجها لخدمة الايدولوجيا، فكارتون الاتحاد السوفيتي لا يترك فرصة إلا واستثمرها لتبيان عقيدته التي أسست الدولة على وفقها حتى انه عندما يصور الشخصية الكارتونية في الفضاء، فانه يحاول ان يسخر من وجود علة خالقة لهذا الكون أو يحاول منح قدرة التغيير للأشخاص أو يعطي قوة إدارة الجماد وتنفيذ المعاجز الى الإنسان فقط، أو يتوجه الى تصوير الجانب العلمي وتكثيفه للإيحاء بان هذا العالم ليس إلا العلم وكل ما له علاقة بالجانب الميتافيزيقي إنما هو محض وهم ولا يمكن الركون إليه. وهذا ما تعلق بالاستعراض الكارتوني للأفكار الرأسمالية، فالنافع والنفع والنفعية هي الجانب الراهن أو الأساس عند إستعراض مؤسسة (والت ديزني) أو سواها من المؤسسات الأوربية أو الأمريكية.
وإذا ما استثنينا الأصول العامة للسرد أو الحكاية أو الدراما التي حللها أرسطو بكونها قصة ببداية وبعقدية وسطية وبنهاية، فإن نمط السياق الكارتوني العام أو الجزئي في غالب الأحيان إنما يمثل ادلجة الدولة، حتى ان هذا الأمر ينسحب على حلفاء تلك الدول العظمى التي لها علاقات مع دول العالم الآخر أو الثالث ومنها العراق. فقد كان العراق لعلاقته القريبة نوعا ما من الاتحاد السوفيتي في وقتها يستورد أفلام الكارتون تلك، وبالتالي فان تلك الثقافة تطبع في ذهنيات الجيل بأكمله، ولا سيما الجزئيات منها. وفي محاولتي لاستيعاب هذه الأفكار بصورة واقعية دخلت على اليوتيوب (وغالبا ما احن كما هو حال الكثيرين الى أيام الطفولة) لأشاهد الكم الكبير من التعليقات الراغبة والمحبة من الأجيال التي كانت تعاصر تلك المدة من حياتنا، والتي خصت الكارتون وأيامه. ومع ان بعض ذلك النمط من الكارتون الموجهة بطريقة أو أخرى والذي يحمل بنية إيديولوجية لم يؤثر التأثير المطلق بتلك المجتمعات، لعدد من الأسباب منها وجود المنظومات أو الهوية التي تعمل على تثبيت الأفكار والعقائد والثوابت ومنها الدين والثقافة والجانب الشعبي والتوجه العام الخاضع للمحيط والجانب السياسي وسواها، إلا انه أدى دوره بعض الشيء بثلم بعض الأفكار، أو على الأقل قام بالتشويش على الهويات المتباينة في الدول المستقبلة.
إن الجانب الإيديولوجي في الكارتون الخاص بالدول الكبيرة يمثل ترويجا لمنظومة فكرها وعقائدها فتنسحب تلك العقائد أو الأسس على كتابات الكتاب أو توجهات الجمهور والمثقفين الذين يؤمنون بمبادئ وأسس الدولة التي يعيشون، وأكثر من هذا ان المنظومة الحاكمة من دول العالم التابع انما تحاكي أو تتبنى أو تفرض أفكار الحاكم المتسيد سواء الاشتراكية أم الرأسمالية أم المشتركة الأفكار أم الديمقراطية، وأحيانا تخضع القضية الى ان بعض الدول تروج لأفكارها بطرح منتجها الفني ومنها الكارتون بجعله اقل تكلفة، فتقوم تلك الدول الناشئة بشراء الأكثر رخصاً.وتلك التجربة بالذات حاول تعميمها على مناطق ما بعد الاتحاد السوفيتي بطريقة تصدير الثورة الحمراء، فدخل الى إيران وجنوب العراق وشماله والى بعض الدول العربية بوساطة الحكام لصعوبة ولوج التكوين الروسي بعامته الى البلاد الدافئة لأسباب تتعلق باللغة والمنهجية التي تبتعد عن النمط الرأسمالي النفعي وصعوبة التوفيق بين التوسعة والاحتلال وبين الأفكار التي تنادي بالعدالة الاجتماعية.
إن الطابع العام للكارتون الروسي (على الأقل في مرحلة ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي) والمتماشي مع تنظيرات الماركسية إنما ينحو بنحو إعطاء الأهمية الى الطبيعة فاغلب السرد يمثل دورا مهما للطبيعة، بالإضافة الى استخدام الأسلوب التشاركي الجماعي، مع إضفاء مسحة من الإنسانية والروح التعاونية وتأكيد وجود البطل المصارع للظلم.
إن السوفيت الممتعضين من الدين والذين يرون ان الميتافيزيقا أريد بها تخويف الناس، عملت على إخافة الضعفاء أو الصغار بوساطة الكارتون من خلال هول الطبيعة (العاصفة، الرعد، الفيضان، الظلام، المطر، العاصفة.. الخ) ووجود الحيوان المفترس والحاكم المخيف وغير ذلك. ومع ان ذلك قد يشترك فيه النظام الرأسمالي إلا ان ما يميز الكارتون السوفيتي ان السرد فيه يحمل شحنة من العاطفة المهمة بعدّه يمثل تشكيلا فكريا يرتبط بالمجتمع وبتحقيق عدالته ودفع الظلم وبث الروح الجماعية، وأيضا فان السرد السوفيتي ولا سيما الموجه الى أطفالهم ولعقود عديدة كون أرخبيلا (فيه مادة فلكلورية وسحرية مستثمرة للمعجزة) استلهمه من بقية تنوعات مجتمعه الأذربيجاني والارمني والغربي والشرقي والقوقازي ليقدمها من خلال موشور الاشتراكية.
والأكثر غرابة ان الاتحاد السوفيتي استثمر الغرائز بطريقة رائعة في إخراج الأعمال الفنية الكارتونية والتي لم تأخذ دورها في العالم العربي بسبب قربه (باستثناء بعض الدول التي تميل الى الاشتراكية) من المنظومة الرأسمالية (ولا سيما الخليج)، مع ذلك فانه حاول ليّ أعناق تلك الغرائز فيما يتعلق بقدرة أفكاره الاشتراكية واستمرارها لإدارة المجتمعات في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والفكرية.
اما ما يخص الكارتون الأمريكي المؤدلج فان الفردية تتضح بكل مفاصله، بالإضافة الى الجانب النفعي أو الإتكاء إلى صورة البطل الخارق وهو نمط يبتعد عن العاطفة المفرطة ولا يتجه الى قراءة التنوع العرقي لأنه مجتمع يكاد يخلو من التنوع أو يتغافل أقوامه، ومن يدير منظومته الكارتونية هو الجانب العميق من الإعلام المسيطر عليه بطريقة أو بأخرى وهو الإعلام الإسرائيلي، ومع عدم ظهور الإيديولوجية الدينية إلا ان الإيديولوجية التي مردها الى الرأسمالية تطفح على سطح الفن الأمريكي ومنه أفلام الكارتون.



