اخر الأخباراوراق المراقب

“المؤمنون معاً”.. حكايات عن التعايش مع أدباء مسيحيين مولعين بأهل البيت (ع)


يروي عباس خامه يار في أحدث أعماله، وهو كتاب بعنوان «هم ‌باوران» (المؤمنون معًا)، تجربة التعايش والحوار بين الأديان، لا في إطار النقاشات النظرية، بل من خلال روايات واقعية ولقاءات شخصية؛ وهي تجربة تُظهر أنه يمكن، رغم الاختلافات العقائدية، الوصول إلى التعايش والفهم المشترك.
في زمنٍ أصبح فيه سوء الفهم والانقسامات الثقافية والدينية تُواجه العالم بتحديات عميقة، باتت العودة إلى «اللغة المشتركة» أكثر ضرورة من أي وقت مضى؛ لغة لا تقوم على إلغاء الاختلافات، بل على اكتشاف حقيقة واحدة كامنة خلف هذا التنوع. حقيقةٌ تتجذر في أعماق الأديان الإلهية، ويتجلى معناها في مفهوم «المحبة»؛ ذلك المفهوم الذي يُعدّ في التراث الإسلامي وتعاليم أهل البيت (ع)، كما في المسيحية، جوهر الدين وأساس الإيمان.

يُعدّ كتاب «هم ‌باوران» لعباس خامه يار روايةً إنسانية حيّة لهذه اللغة المشتركة؛ فهي ثمرة سنوات من المعايشة والتفاعل مع أدباء ومفكرين مسيحيين أحبّوا أهل البيت (ع) وأحبّوا إيران. وفي هذا العمل، يقدّم الكاتب تجربة التعايش والحوار بين الأديان من خلال قصص واقعية ولقاءات شخصية، لا عبر الاطروحات النظرية، ليؤكد أن الوصول إلى التفاهم الإنساني ممكن رغم اختلاف المعتقدات.
ويكتب خامه يار في مقدمة كتابه: “منذ صباي، كان اسم جورج جرداق يرنّ في ذهني كنغمة مألوفة. رجلٌ امتدح الإمام عليًا حتى أدهش المسلمين، وكانوا يذكرون بإعجاب عمله الضخم المكوّن من سبعة أجزاء “الإمام علي صوت العدالة الإنسانية”. بالنسبة لي، لم يكن مجرد كاتب مسيحي، بل كان أسطورة في الإيمان والأدب والحرية الإنسانية؛ إنسانًا وقف في قلب المسيحية على منبر محبة علي”.
ويُعدّ كتاب «الإمام علي: صوت العدالة الإنسانية» لجورج جرداق موسوعة متعددة الأجزاء تناولت أبعاد شخصية الإمام علي بن أبي طالب (ع).

ويتابع الكاتب: “في أعماق مراهقتي تشكّل حلم خفي: أن ألتقي بهذا الكاتب المسيحي الذي ارتبط اسمه بعلي والعدالة والحرية، كان حلمًا بعيدًا وصعب المنال، لكنه ظل حيًا ومضيئًا في أعماق قلبي”.
ويضيف: “لم أكن أتصور يومًا أن يتحول هذا الحلم إلى حقيقة، لكن القدر ساقني بعد سنوات إلى لبنان؛ الأرض التي يتنفس فيها المسلم والمسيحي معًا على أنغام محبة الحسين”.
ثم يصف أول لقاء له مع جورج جرداق قائلًا: “دخلت بيت جورج، وما زلت أذكر ارتجاف صوتي في أول سلام، ودفء نظرته المليئة بالمحبة؛ نظرة كانت تتحدث أكثر من أي كلام عن الإيمان بالإنسان والعشق لعلي”.

ويشير إلى أنه أدرك، من خلال حواراته مع جرداق ومع مسيحيين آخرين، أن اسمي علي والحسين لم يكونا بالنسبة لهم مجرد شخصيتين تأريخيتين في الإسلام، بل رمزين للعدالة والحرية والتضحية. فقد رأوا في الإمام الحسين (ع) انعكاسًا لإيمانهم بالمسيح المصلوب، وفي مآسي كربلاء صدىً للألم الذي عرفته القدس على الصليب.
ويقول: “بالنسبة لهم، كانت الدموع على الحسين والحزن على المسيح نهرين يلتقيان في بحر المحبة الإلهية. وكان علي معلم العدالة، والحسين رمز الوفاء لهذه العدالة حتى الموت؛ وهذا هو الجوهر المشترك الذي يبني جسرًا من النور بين الكنيسة والمسجد والمحراب”. ويتابع الكاتب حديثه عن تلك المرحلة: “في زمن الفتن والانقسامات، أدركت أن هناك قلوبًا مازالت تنبض بنور الإيمان والعدالة؛ قلوبًا تبحث عن الإنسانية بعيدًا عن الحدود والطوائف”.

ويرى خامه يار أن التعرف على الثقافات والأديان الأخرى يفتح أمام الإنسان نافذة جديدة على روحه، تمتزج فيها المعرفة بالأدب والإيمان. ويؤكد أن علاقاته بالأدباء والشعراء المسيحيين الذين أحبّوا الإمام علي وأهل البيت (ع) لم تكن مجرد تجربة ثقافية أو أدبية، بل كانت رحلة في عمق المحبة والولاء.
ويشير إلى أن كثيرًا من هؤلاء تعرّفوا إلى «نهج البلاغة» واستلهموا من كلمات الإمام علي (ع)، وهو ما قرّبهم من الإمام الحسين (ع)، حيث وجدوا في تعاليمه نقاط التقاء عميقة مع رسالة السيد المسيح.
ويضيف أن الإمام الحسين (ع) والسيد المسيح كلاهما تحملا آلام البشر وظلم الحكام في سبيل الرسالة الإلهية، وتمسكا بالحقيقة والعدالة، ووقفا بوجه الطغيان في زمانهما، فكانا رمزًا للرحمة والهداية ونصرة المظلومين. ومن هنا، يرى الأدباء والشعراء المسيحيون المحبون لأهل البيت، أن هناك آلامًا ورسالة مشتركة بين الإمام الحسين والمسيح، وأن الولاء الصادق لأهل البيت (ع) لا يخص دينًا بعينه، بل ينتمي إلى الضمير الإنساني. ويقول الكاتب إنه في لبنان كانت له علاقات واسعة مع كتّاب وشعراء ومفكرين ورجال دين مسيحيين، حتى إن بعض هذه العلاقات تحولت إلى صداقات عائلية عميقة تجاوزت الحواجز المصطنعة ووصلت إلى جوهر الإنسانية.
ويؤكد أن هذه اللقاءات لم تكن بالنسبة إليه مجرد مناسبات ثقافية، بل تجارب روحية وإنسانية، رأى فيها وجوهًا متعددة للإيمان، لكل منها حكاية في البحث عن الحقيقة ومحبة العدالة واحترام الإمام علي.
ويضيف: “على مدى تلك السنوات، سعيت بكل صدق إلى أن أستمع إلى محبتهم لأهل البيت (ع)، وأن أوثقها وأحفظها في ذاكرة الزمن”. ثم يصف كتابه بقوله: “هذا الكتاب هو ثمرة السنوات التي عشتها بين أجراس الكنائس وأذان المساجد. في كل لقاء تعلمت شيئًا من الإيمان وارتشفت شيئًا من المحبة”.
ويتابع: “كتبت هذه السطور لتبقى شاهدًا على أنه وسط العواصف والتعصبات، مازال بالإمكان بناء جسر من القلب إلى القلب بابتسامة بسيطة”. ويختم مقدمته بالتأكيد على أن الحوار بين الأديان ليس مجرد شعار، بل طريق لإنقاذ البشرية، مضيفًا، أن هذا الكتاب يجمع ذكرياته مع رجال ونساء رأوا في ملامح المسيح صورة علي، وبحثوا عن العدالة في الإنسانية قبل الطائفة والدين. ويقول في ختام كلمته: “هذا الكتاب ثمرة سنوات من الأحلام والصداقة والحوار والمحبة؛ حلم بدأ باسم جورج جرداق ومازال مستمرًا في وجوه جميع المسيحيين المحبين لأهل البيت (ع)، أولئك الذين رأوا في المسيح الحسين، ووجدوا في الحسين المسيح”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى