ثقافية

تقشف

2729

غسان عباس محسن

كان عليه ان يتظاهر بالتعب الشديد وهو يدخل الى غرفة نومه حتى لا تطلب زوجته اي شيء منه او ان يجد نفسه مضطرا للسهر معها، لان ذلك سيعني استهلاك المزيد من الطاقة التي صار يفتقر اليها خلال الآونة الاخيرة. كما انه كان حزينا لدرجة انه لم يكن راغبا بفعل اي شيء الا البكاء في تلك اللحظات العصيبة. شعرت زوجته بما كان يعتمل في صدره من حزن بعد ان مدد جسده النحيل بقربها، وبعد ان سمعت صوت لهاثه وهو يحاول استجماع أنفاسه التي بعثرها نهار آخر, قضاه في البحث عن عمل من دون الحصول على مبتغاه. حاولت ان تدس دفء كفها في صدره لتخفف عنه بعض التعب الذي كان يشعر به، لكنها عدلت عن هذه الفكرة ثم قالت له بعد ان تمكن من التقاط أنفاسه اخيرا:
ـ كيف الحال يا ابا عادل.
ـ …………
شعرت وكأن وراء صمته دمعا أراد ان يمحو به اثار التعب، فيما كان يحاول ان يتمالك نفسه، قبل ان يرد عليها بينما كانت تريد ان تخفف من همومه بان تجعله يتحدث معها حول اي موضوع حتى لو كان تافها:
ـ أتريد عشاءاً؟
ـ لا أريد.. لست جائعاً.
إعتدلت جالسة بعد ان أفلحت في جعله يتكلم اخيراً فواصلت: هل أنجزت شيئاً اليوم؟
ـ لا شيء.
ردّ بنبرة غليظة وكأنما ليؤنبها على تذكيره بفشله في إيجاد اي عمل، فقررت ان تهدئ من روعه وتمتص شيئا من حزنه: لا تهتم، فنحن نعيش والحمد لله.
ـ نعم، ولكني لا اريد ان اظل بلا عمل.
ـ إن الله موجود.
صمتت لوهلة ثم أردفت: أ لم يعدك “الجماعة” بعمل؟
ـ أي “جماعة”؟
ـ جارنا ابو رياض.
بدا وكأنه استعاد الأمل من جديد حال سماعه ذلك الاسم، فنهض من على سريره ومد يده في الهواء وكأنما ليتشبث بالأمل وهو يردد مع نفسه: ابو رياض، ابو رياض.
التفت الى زوجته وقد ارتسمت بعض علامات الابتهاج على وجهه ثم قال كمن يؤكد لنفسه لا لمن كانت بقربه: ابو رياض، نعم، سيساعدني، لأن لديه علاقات اجتماعية قوية.
وبالكاد استطاع ان ينام في وقت متأخر من تلك الليلة، وما ان اصبح الصباح حتى مضى ابو عادل الى المكان الذي يعمل فيه جاره ابو رياض. وفي الطريق الى هناك صار الامل يملأ نفسه وأخذ يهمس لنفسه: لقد ساعد ابو رياض الكثيرين، وسيساعدني بالتأكيد.
واصل سيره ولم يسمح لأي شيء بأن يعكر له صفو امله، إلا رؤيته لبضعة رجال وهم يتعاركون على مكان في الرصيف الذي كان احدهم يبيع فيه بضاعته، وكان رجل آخر يريده لنفسه. لم يكترث كذلك بالشجار الذي نشب عقب حادث مروري، كل تلك الأمور وكل ما كانت تبصره عيناه في الطريق كان تافها في مقابل أمله الذي يقوده الى حياة جديدة عن طريق ذلك الرجل المتنفذ، الذي ساعد الكثيرين، وجاء الدور اليوم على ابي عادل ليحصل على المساعدة. وصار يفكر في شكل حياته الجديدة وفي تحقيق رغبات أحبته وأهله وفي القيام بأمور كثيرة كان يؤجل القيام بها منذ وقت طويل.وما ان اقترب ابو عادل من هناك حتى ازداد تفاؤله وثقته في ان يجد عملاً بوساطة جاره، وصارت دائرة طموحه تزداد اتساعاً، لكنه ما ان قارب على الوصول الى هناك حتى رأى جاره ابا رياض وقد جلس على الارض وتغير شكله وهيأته لدرجة انه ظنه احد المتسولين في اول الامر، وما ان اقترب منه وتأكد من انه جاره وسأله عن سبب جلوسه هناك بتلك الهيأة أجابه: طردوني من العمل بسبب التقشف!بدا وكأن امال ابي عادل قد تلاشت كلها في لحظة واحدة وصارت الدنيا تضيق في عينيه وفكرة التقشف تتسع لتشمل كل شيء من حوله حتى وجوده هو في هذه الدنيا!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى