ثقافية

المراقب العراقي تنشر رواية «الشيطان يحكم العاصمة» للكاتب المصري فرحات جنيدي

2625

فرحات جنيدي كاتب وقاص مصري، مدير مركز الحوار لبحوث الرأي العام والدعاية والاعلان، عضو اللجنة المركزية للحزب الناصري، كتب المقالات في عدد من الصحف والمواقع العربية، صدر له كتابان (الأحزاب والمال السياسي .. مقالات في الشأن المصري)، و(رائحة الدم الطيبة.. مقالات في الشأن العربي)، اضافة الى أن كتاباته شملت: المسرح (دموع ضاحكة)” 2003 ـ عرض على المسرح العائم وساقية الصاوي. السيناريو (حدود من نار) 2004. الرواية (أحزان الأفاعي) 2011. له كتابان في عالم القصة القصيرة: (قانون صاحبة العطر) 2015، و(مهاجرون) ومضات قصصية 2016. تنفرد (المراقب العراقي) بنشر رواية (الشيطان يحكم العاصمة) اسبوعيا، للكاتب فرحات جنيدي قبل طبعها وتوزيعها في مصر او في أي مكان آخر، وهي بذلك تؤكد تواصلها مع الثقافة العربية، ودعمها للكتاب والمثقفين في كل مكان.

الفصل الثالث

صفقوا صفقوا وارتفعوا بالأصوات, تراقصوا على أنغام طلته البهية, هيا هيا ارفعوا الأيدي واحنوا الرؤوس, توحدوا في النداء حتى يعم الخير على الجميع, هيا هيا رددوا “هق يا مق يعيش الإله نتر هق يا مق يعيش الإله نتر”. وبرغم الجوع والمرض كان كل الرعية في الملاجئ يصفقون ويهتفون بحرارة, وكان الكل يتنافس في إظهار الإنتماء والولاء للإله “نتر”. وشهدت الصفوف الخلفية للرعية معارك كبيرة وتزاحماً, الكل يحاول أن يكون في الصفوف الأولى لعله يقع الإختيار عليه كي يكون من الجند أو الخدم. مشهد متكرر اعتادت عيناي على مشاهدته كل عام في عيد جلوس الإله “نتر” على العرش. انتبهت لنفسي ولوجودي في ديوان القرابين عندما اقتربت المرأة الأربعينية مني بخطوات, كانت خطواتها حادة ووجهها غاضباً, نظرت نحوي في استياء وقالت: كنت أظن أنك رجل لكن الحقيقة أنه لا فرق بينك وبين هؤلاء النعاج التي تصيح خلف الجند من خلف جدران الملاجئ, هيا اخرج من الديوان في زحام الموكب ولا تفكر في الخروج من الملاجئ مرة أخرى فيكون مصيرك في فم الكلاب.
اقتربتُ منها وأنا أضع السكين على الأرض أسفل قدميها وقلت وأنا أحني رأسي: شكراً لكِ سيدتي، لقد أنقذت روحي مرتين: مرة من الجند وكلابهم ومرة من الدون “خرخور” وذل الموت بين يديه. لكن يا سيدتي، عليكِ أن تعلمي أن هؤلاء النعاج أرهقهم الجوع والمرض فلا عجب أن يكثر عواء الذئب أو تتبول على رؤوسهم الكلاب.
تعجبت لقولي وفلسفتي في الرد، فأمعنت النظر إليّ مرة أخرى وقالت: لقد أعطيتك الفرصة لتكون رجلاً وتأخذ الثأر لسكان الملاجئ لكنك مثل الكل جبان.
نهضت ونظرت إلى عينيها من دون خوف وقلت: لم يكن هدفك الثأر للرعية في الملاجئ يا سيدة الديوان، وإنما كانت رغبتك في الخلاص منه, وأنا لا أعلم سر خوفك من قتله وهو بين يديك من دون سلاح منبطحاً على بطنه فوق الأرض. ولا أريد أن أعلم, ولكن ما أعلمه أني أريد قتله ألف ألف مرة، حتى السكين كانت تدفع يدي وتسرع بها إلى ظهره وكأنها ذاقت الذل على يديه لكن تذكرتك أنتِ.
قالت بتعجب وعلامات الاستفهام ترتسم على وجهها: أنا؟ كيف أكون أنا؟ وأنا التي أعطيتك السكين.
قلت: سيقتل عندك وسيتساءل الإله “نتر” كيف يقتل الدون “خرخور” في مكان محصن مثل هذا؟ وكيف دخل القاتل عندك؟ ومن أين أتى بالسكين؟ وسيعلم من الجند أنكِ أنتِ التي أدخلتني إلى هنا وطردت الجند وكلابهم، وأعلنت لهم أني من قرابين الإله. فكيف أقتله وأقتل معه اليد التي أنقذتني؟ وإن كان قد حدث ألم يأتِ على مخيلتك كم من الأبرياء من سكان الملاجئ سيقتلهم الإله “نتر” ويطعمهم لكلابه؟ ليس ثأراً لجسد الدون القذر وإنما من أجل أن يتخلص من تهديدهم كما تصورون أنتم والكهنة له.
قالت متسائلة: لا لا لا تأخذ عقلي بعاصفة كلامك الشيطانية لتبرر ضعفك ولن تكون أنت أكثر حرصاً مني على الرعية, والآن أيها الزائر الغريب عليك أن تجيبني من أنت؟ ومن أين أتيت بتلك المعرفة؟ إن كنت من سكان الملاجئ فمن المستحيل أن تكون نجوت من بطش الدون “خرخور”، وإن كنت من الجند وتمردت فمن الصعب النجاة من الكاهن الأكبر, من المستحيل أن يوجد في العاصمة من يفكر من أين أتيت أنت أيها الشيطان؟مشتاق أنا منذ زمن أن أتحدث مع عقلية نفعية بهذا الشكل, تأملتُ عينيها المتسائلتين الحائرتين وقلت: أنا من قوم نؤمر ولا نأمر، نحمل الطعام ولا نأكل الفضلات إلا إذا سمح لنا, نسمع ولا نفكر، وكل همنا أن ننال الرضا ونتجنب العقاب, فوق رأس كل منا سيد وما أكثر من الأسياد في عالمنا!!, لكن القدر أراد لي أن أكون بلا سيد لأني عشت عمري أخدم الموتى في بلاط الكاهن الأعظم الذي بنى سور العاصمة, ومن يخدم الموتى لا يحتاج إلى سيد فالخوف من الموت سيده. حتى هؤلاء الرعية الذين يهتفون بروح الإله برغم الذل والعبودية التي يعيشون فيها فيهم من هم مثلي وأكثر وعياً مني, قضايا كثيرة تشغلهم، يقولون الأمن مهم ولذلك هم مستعدون لقتل الدون “خرخور” الذي يتلذذ بتعذيبنا وإذلالنا ويسلط علينا من هم منا, لكنهم استباحوا دماءنا وأعراضنا طمعاً في الحياة والهروب من الذل والجوع والعطش والمرض. لقد خلق الدون “خرخور” فينا الخوف ومن لا يكون معه فهو هالك, وبرغم ذلك يوجد فينا الأوفياء لكنهم ينتظرون الوقت المناسب, ومنهم من يقول إن الحرية أهم ويعملون على تعليم الرعية في الملاجئ لكن تكميم الأفواه يضرب العاصمة في مقتل. هؤلاء يريدون أن يقولوا لا وأنا منهم لكن المهم من يسمع لنا فمن السهل يا سيدتي بيع الكراهية لكن شراء الحب أو بيعه أمر في غاية الصعوبة.اقتربت من المقعد الرخامي الممتد وجلست وأشارت لي بالجلوس وقالت: أنا أعرف كل من يعمل في خدمة الموتى وأعلم أيضاً أن لهم استثناءات في الطعام والملابس وملاجئ النوم, لكن أن يكون لأحدهم عقل فهذا الذي لا يمكن أن يحدث فأكثرهم تقوى هو من استطاع أن ينال لقب الخادم المطيع ويقبّل كل الأيدي القوية ويضرب بسيف سيده رؤوس رفاقه. فحدثني بما تعلم واسلك طريق الحقيقة فإن كذبت فسوف آمر الجند بتقديمك قرباناً لكلاب الإله الليلة.
كان من بين كهنة الكاهن الأعظم كاهن طبيب درس الماضي وعرف المستقبل لكن الحاضر خانه فاستسلم وعاش في يأسه باحثاً في كتب المعرفة لعله يجد مخرجاً, وأثناء علاجه لقدمي أحبّني وعلمني الكثير من العلوم وكان يحكي لي الكثير من تاريخ العاصمة، فعلمت منه أنه كان لعاصمة الإله “بابا” الكثير من الآلهة الأعداء, وكان الإله “بابا” يملك جيشاً قوياً استطاع من خلاله أن يشن الكثير من الحروب على الآلهة الأعداء خارج العاصمة ويقتل كل جواسيسهم في الداخل, فلم يجد الأعداء سبيلاً غير أن يعملوا على زرع الكثير من رجالهم بين رجال الإله “بابا” وقدموا لهم كل الإمكانيات والمساعدات حتى يتزايد نفوذهم وينفذوا المخطط المرسوم لهم لتدمير القوة العسكرية للإله “بابا” وإضعاف قوته, واستغل الآلهة الأعداء رجالهم فى تجنيد المئات من الشباب الطامعين في المال، وتمكن هؤلاء من تجنيد أعداد كبيرة من الشباب, وقد كان المناخ ملائماً ومساعداً على بناء بؤر للتجسس في قلب العاصمة فلقد استطاع هؤلاء الجواسيس في وقت قصير أن ينشروا الرذيلة والدعارة والمخدرات في أطراف العاصمة حتى تمكنوا من نقلها إلى بقية قلب العاصمة. ووصلت تقارير إلى الإله “بابا” تفيد بأن عاصمة الجند الشجعان عاصمته أصبحت مناخاً جيداً لممارسة تجارة الجنس والمخدرات، فارتبك الإله “بابا” وشعر بانهيار عرشه، فبدأ بحملة واسعة للقضاء على أوكار التجسس وقام بإعدام عدد كبير من الجواسيس وإبقاء جثثهم معلقة على المشانق لمدة كبيرة ليكونوا عبرة لغيرهم ممن تسول له نفسه الإقدام على خيانة الإله “بابا”. شعر وقتها “نتر” الذي زرعه الأعداء بين صفوف الجند بالهزيمة فغير خطته وبدأ في تدمير آبار المياه داخل العاصمة وتسميم آبار المياه التي ترتوي منها الماشية على أطراف العاصمة, وتعاون “نتر” مع الدون “خرخور” المسؤول عن حرس نساء الإله “بابا” على إدخال العاهرات إلى القصر، حتى استطاع أن يجعل كل جنود القصر عبيداً تحت أقدام هؤلاء العاهرات. بدأ “نتر” في الحصول على جميع التسهيلات اللازمة من الآلهة الأعداء فأرسلوا له الذهب والجند, فأفسد وجند الكثير وقتل من تمرد عليه حتى استطاع في النهاية أن يسيطر على العاصمة ويأسر الإله “بابا” وابنته وحفيده.امتلك المرأة الأربعينية حالة من الذهول وهى تستمع لما يعلمه ذلك الزائر الغريب عن العاصمة، وامتلك جسدها حالة من الرعشة والارتباك فقطعت سرده وقالت متسائلة في لهفة: هل تعلم عقوبة ما تقول؟ هل تعلم أنك تلقي بالأكاذيب على تاريخ الإله “نتر”؟
قلت: أنتِ اخترتِ الحقيقة وأنا لا أكذب عليكِ وهذا ما علمته من الكاهن الطبيب.
قالت: ألا تشعر أنه كذب عليك ليخلق منك متمرداً على الإله.
قلت: بل شعرتُ بصدق كلماته وآمنت بها أكثر بعد ما عرفت عنه بعد مقتله.
نهضت مفزوعة وقالت بحزن: قُتِل؟
قلت: نعم قتل ومعه تسعة من الكهنة وعلى رأسهم الكاهن الأعظم.
قالت بلهفة وحزن: لماذا؟
قلت: لقد كان الكاهن الطبيب هو طبيب الإله “بابا”, وبعد أن استولى “نتر” على الحكم أمر بإعدامه. لكن الكاهن الأعظم اشتراه من الجند بالذهب وأخذه معه في ملاجئ الكهنة المشرفين على بناء سور العاصمة. ولقد اكتشف الإله “نتر” ذلك بعد أن أصبح للكاهن الطبيب تلاميذ وأنا منهم، فأمرالإله “نتر” بإعدام كل الكهنة وكل من تردد على ملجأ الكاهن الطبيب حتى ولو كان للعلاج.نهضت المرأة الأربعينية والحزن الشديد في عينيها فنهضتُ وأنا أتأمل عينيها الغارقتين في الحزن لكني لم أحتمل النظر إليهما فأحنيت رأسي فسمعت صوتها الحزين يهمس: وماذا عن “ماو”؟تملكتني الدهشة والذهول عندما سمعت اسم “ماو” يتردد على لسانها فرفعت رأسي فلم أجد لها أثراً فلقد قالتها وإختقت!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى