مآذن.. ومنارات


عبد السادة جبار
حين تساقطت تلك الاجساد الفتية وهي تتعرض لغدر الوحوش، سارعت قلوبهم بأقصى طاقتها لتدفع الدماء خارج الابدان إلى باطن الأرض أو النهر القريب، حتى لا تلغ تلك الخنازير والثعالب فيها.. كان الرحيل مزدوجا.. حلقت الأرواح مع الطيور إلى السماء.. وغادرت الدماء كلها الى تجاويف الأرض واختلطت بمياه النهر الذي اسرع في جريانه ليحملها معه في رحلته حيث أصبح بلون وطعم ورائحة، بقيت الأحداق المغدورة مفتوحة على اتساع مدهوشة مما جرى. هل كان فخا متفقاً عليه بين الاخوة الاعداء والاغراب؟ صرحت الطيور “كأنه عمل مقصود اغمضت فيه الاقمار الصناعية عيونها عنه”.
ثم حلقت عاليا مع الأرواح تشيعها حيث محطات الحساب المؤجل.
واصل الماء سيره تماما كقطار يوزع راكبيه على قرى متقاربة، سقى مزيجه الأشجار المتشاطئة، شربت الأرض ذلك الرحيق الذي خرج منها وعاد إليها، وتدفق الماء يجري كسيل جارف، اراد ان يغرق الأبنية والدهاليز والكواليس ليحصل على وثائق اتفاقات الغدر، كان يصيخ السمع للهمس (المافيوي) المريب.
حط الحمام على المآذن.. بعد ان ودع الارواح.
“الله اكبر”.. جفل الحمام وارتعب، تذكر هذا النداء الذي رافق المذبحة، رفع الحمام أجنحته إلى الرب:
ـ اللهم اهدنا الى اي مآذن نلجأ؟ لا نفع في مآذن تصدح باسم الرب ولا تؤمن ارضه. أي المآذن منارات آمنة لأعشاشنا؟ رأينا أيدياً ملطخة بالدم وهي تكبِّر، هل تختبئ ذات الأيدي تحت أعشاشنا؟
ابتهل النهر الى الله وهو يمر على السواقي والجداول:
ـ اهدني يا رب، لمن أمنح الماء؟ من يستحق؟ هل يرون الدماء فيه؟ وإذا اصطفوا للصلاة، أ تصطف القلوب ام الأقدام فقط؟
حلقت الطيور وعادت بخبر، دعت المآذن لتحويلها الى منارات، زحفت الجموع، اوصل الماء الخبر، أنشدت الحمائم: دم، دم، ماء، دم، ماء. وصل النداء الى المآذن، كبّرت بلغة أخرى، فاهتزت الجدران لتلد من أرحام البيوت صقورا. حلقت، لم يعد الفضاء يكفي للأجنحة النبيلة. تحولت المآذن منارات، وعاد الماء ماء، بلا لون، أو طعم، أو رائحة، ليوزع نفسه مطراً في كل مكان.



